تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
الأمر . وفي ص : صدق الله ، وقد ذكرنا أن الحروف تنبيهات قدمت على القرآن ، ليبقى السامع مقبلاً على استماع ما يرد عليه ، فلا يفوته شيء من الكلام الرائق والمعنى الفائق . وذكرنا أيضاً أن العبادة منها قلبية ، ومنها لسانية ، ومنها جارحية ظاهرة ، ووجد في الجارحية ما عقل معناه ، ووجد منها ما لم يعقل معناه ، كأعمال الحج من الرمي والسعي وغيرهما ، ووجد في القلبية ما عقل بدليل ، كعلم التوحيد ، وإمكان الحشر ، وصفات الله تعالى ، وصدق الرسل ، ووجد فيها ما يبعدها عن كونها معقولة المعنى أمور لا يمكن التصديق ، والجزم بما لولا السمع كالصراط الممدود الأحد من السيف الأرق من الشعر ، والميزان الذي يوزن به الأعمال ، فكذلك كان ينبغي أن تكون الأذكار التي هي العبادة اللسانية منها ما يعقل معناه كجميع القرآن إلا قليلاً منه ، ومنها ما لا يعقل ولا يفهم كحرف التهجي لكون التلفظ به محض الانقياد للأمر ، لا لما يكون في الكلام من طيب الحكاية والقصد إلى غرض ، كقولنا * ( ربنا اغفر لنا وارحمنا ) * بل يكون النطق به تعبداً محضاً ، ويؤيد هذا وجه آخر ، وهو أن هذه الحروف مقسم بها ، وذلك لأن الله تعالى لما أقسم بالتين والزيتون كان تشريفاً لهما ، فإذا أقسم بالحروف التي هي أصل الكلام الشريف الذي هو دليل المعرفة ، وآلة التعريف كان أولى ، وإذا عرفت هذا فنقول على هذا فيه مباحث : الأول : القسم من الله وقع بأمر واحد ، كما في قوله تعالى : * ( والعصر ) * وقوله تعالى : * ( والنجم ) * وبحرف واحد ، كما في قوله تعالى : * ( ص ) * و * ( ن ) * ووقع بأمرين ، كما في قوله تعالى : * ( والضحى والليل إذا سجى ) * وفي قوله تعالى : * ( والسماء والطارق ) * وبحرفين ، كما في قوله تعالى : * ( طه ) * و * ( طس ) * و * ( يّس ) * و * ( حم ) * وبثلاثة أمور ، كما في قوله تعالى : * ( والصافات فالزاجرات . . . فالتاليات ) * وبثلاثة أحرف ، كما في * ( ألم ) * وفي * ( طسم والر ) * وبأربعة أمور ، كما في * ( والذاريات ) * وفي * ( والسماء ذات البروج ) * وفي * ( والتين ) * وبأربعة أحرف ، كما في * ( المص والمر ) * وبخمسة أمور ، كما في * ( والطور ) * وفي * ( والمرسلات ) * وفي * ( والنازعات ) * وفي * ( والفجر ) * وبخمسة أحرف ، كما في * ( كهيعص وحمعسق ) * ولم يقسم بأكثر من خمسة أشياء إلا في سورة واحدة وهي * ( والشمس وضحاها ) * ولم يقسم بأكثر من خمسة أصول ، لأنه يجمع كلمة الاستثقال ، ولما استثقل حين ركب لمعنى ، كان استثقالها حين ركب من غير إحاطة العلم بالمعنى أو لا لمعنى كان أشد . البحث الثاني : عند القسم بالأشياء المعهودة ، ذكر حرف القسم وهي الواو ، فقال : * ( والطور ) * * ( والنجم ) * * ( والشمس ) * وعند القسم بالحروف لم يذكر حرف القسم ، فلم يقل و * ( ق وحم ) * لأن القسم لما كان بنفس الحروف كان الحرف مقسماً به ، فلم يورده في موضع كونه آلة القسم تسوية بين الحروف . البحث الثالث : أقسم الله بالأشياء : كالتين والطور ، ولم يقسم بأصولها ، وهي الجواهر
تفسير الرازي — صفحة 146 | فخر الدين الرازي