تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
أي اجتنبوا واتقوا ، وفي الآية لطائف : منها أن الله تعالى ذكر في هذه الآية أمور ثلاثة مرتبة بيانها ، هو أنه تعالى قال : * ( اجتنبوا كثيراً ) * أي لا تقولوا في حق المؤمنين ما لم تعلموه فيهم بناء على الظن ، ثم إذا سئلتم على المظنونات ، فلا تقولوا نحن نكشف أمورهم لنستيقنها قبل ذكرها ، ثم إن علمتم منها شيئاً من غير تجسس ، فلا تقولوه ولا تفشوه عنهم ولا تعيبوا ، ففي الأول نهى عما لم أن يعلم ، ثم نهى عن طلب ذلك العلم ، ثم نهى عن ذكر ما علم ، ومنها أن الله تعالى لم يقل اجتنبوا تقولوا أمراً على خلاف ما تعلمونه ، ولا قال اجتنبوا الشك ، بل أول ما نهى عنه هو القول بالظن ، وذلك لأن القول على خلاف العلم كذب وافتراء ، والقول بالشك ، والرجم بالغيب سفه وهزء ، وهما في غاية القبح ، فلم ينه عنه اكتفاء بقوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا ) * لأن وصفهم بالإيمان يمنعهم من الافتراء والارتياب الذي هو دأب الكافر . وإنما منعهم عما يكثر وجوده في المسلمين ، وذلك قال في الآية * ( لا يسخر ) * ومنها أنه ختم الآيتين بذكر التوبة ، فقال في الأولى : * ( ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ) * ( الحجرات : 11 ) وقال في الأخرى * ( إن الله تواب ) * ( الحجرات : 12 ) لكن في الآية الأولى لما كان الابتداء بالنهي في قوله * ( لا يسخر قوم من قوم ) * ذكر النفي الذي هو قريب من النهي ، وفي الآية الثانية لما كان الابتداء بالأمر في قوله * ( اجتنبوا ) * ذكر الارتياب الذي هو قريب من الأمر . ثم قال تعالى : ثم قال تعالى * ( ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) * . تبييناً لما تقدم وتقريراً له ، وذلك لأن السخرية من الغير والعيب إن كان بسبب التفاوت في الدين والإيمان ، فهو جائز لما بينا أن قوله * ( لا يغتب بعضكم بعضاً ) * ( الحجرات : 12 ) وقوله * ( ولا تلمزوا أنفسكم ) * ( الحجرات : 11 ) منع من عيب المؤمن وغيبته ، وإن لم يكن لذلك السبب فلا يجوز ، لأن الناس بعمومهم كفاراً كانوا أو مؤمنين يشتركون فيما يفتخر به المفتخر غير الإيمان والكفر ، والافتخار إن كان بسبب الغنى ، فالكافر قد يكون غنياً ، والمؤمن فقيراً وبالعكس ، وإن كان بسبب النسب ، فالكافر قد يكون نسيباً ، والمؤمن قد يكون عبداً أسود وبالعكس ، فالناس فيما ليس من الدين والتقوى متساوون متقاربون ، وشئ من ذلك لا يؤثر مع عدم التقوى ، فإن كل من يتدين بدين يعرف أن من يوافقه في دينه أشرف ممن يخالفه فيه ، وإن كان أرفع نسباً أو أكثر نشباً ، فكيف من له الدين الحق وهو فيه راسخ ، وكيف يرجح عليه من دونه فيه بسبب غيره ، وقوله تعالى : * ( يا أيها
تفسير الرازي — صفحة 136 | فخر الدين الرازي