تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
فإن قيل المقصود من الاستغفار والتوبة إزالة ما لا ينبغي وذلك مقدم على فعل ما ينبغي ، فلم عكس هذا الترتيب ههنا وقدم ما ينبغي على إزالة ما ينبغي ؟ قلنا ليس المراد من هذا الاستغفار الاستغفار عن الكفر ، بل المراد منه أن يعمل ثم يستغفر بعده لأجل الخوف من وقوع التقصير في العمل الذي أتى به كما قال صلى الله عليه وسلم : " وإنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة " ولما رغب الله تعالى في الخير والطاعة أمر بالتحذير عما لا ينبغي ، فقال : * ( وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون ) * وفي هذه الآية مسائل : المسألة الأولى : وجه النظم في هذه الآية من وجوه الأول : أن العقول والشرائع ناطقة بأن خلاصة السعادات مربوطة بأمرين التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ، وذلك لأن الموجودات ، إما الخالق وإما الخلق ، فأما الخالق فكمال السعادة في المعاملة معه أن يقر بكونه موصوفاً بصفات الجلال والعظمة ، ثم يأتي بأفعال دالة على كونه في نهاية العظمة في اعتقادنا وهذا هو المراد من التعظيم لأمر الله ، وأما الخلق فكمال السعادة في المعاملة معهم أن يسعى في دفع الشر عنهم وفي إيصال الخير إليهم ، وذلك هو المراد من الشفقة على خلق الله ، فثبت أن أعظم الطاعات التعظيم لأمر الله ، وأفضل أبواب التعظيم لأمر الله الإقرار بكونه واحداً وإذا كان التوحيد أعلى المراتب وأشرفها كان ضده وهو الشرك أخس المراتب وأرذلها ، ولما كان أفضل أنواع المعاملة مع الخلق هو إظهار الشفقة عليهم كان الامتناع من الزكاة أخس الأعمال ، لأنه ضد الشفقة على خلق الله ، إذا عرفت هذا فنقول إنه تعالى أثبت الويل لمن كان موصوفاً بصفات ثلاثة أولها : أن يكون مشركاً وهو ضد التوحيد . وإليه الإشارة بقوله * ( وويلٌ للمشركين ) * وثانيها : كونه ممتنعاً من الزكاة وهو ضد الشفقة على خلق الله ، وإليه الإشارة بقوله * ( الذين لا يؤتون الزكاة ) * وثالثها : كونه منكراً للقيامة مستغرقاً في طلب الدنيا ولذاتها ، وإليه الإشارة بقوله * ( وهم بالآخرة هم كافرون ) * وتمام الكلام في أنه لا زيادة على هذه المراتب الثلاثة أن الإنسان له ثلاثة أيام : الأمس واليوم والغد . أما معرفة أنه كيف كانت أحوال الأمس في الأزل فهو بمعرفة الله تعالى الأزلي الخالق لهذا العالم . وأما معرفة أنه كيف ينبغي وقوع الأحوال في اليوم الحاضر فهو بالإحسان إلى أهل العالم بقدر الطاقة ، وأما معرفة الأحوال في اليوم المستقبل فهو الإقرار بالبعث والقيامة ، وإذا كان الإنسان على ضد الحق في هذه المراتب الثلاثة كان في نهاية الجهل والضلال ، فلهذا حكم الله عليه بالويل ، فقال : * ( وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون ) * وهذا ترتيب في غاية الحسن ، والله أعلم الوجه الثاني : في تقرير كيفية النظم أن يقال المراد بقوله * ( لا يؤتون الزكاة ) * أي لا يزكون أنفسهم من لوث الشرك بقولهم : لا إله إلا الله ، وهو مأخوذ من قوله تعالى : * ( ونفس وما سواها ) * ( الشمس : 7 ) الثالث : قال الفرّاء : إن قريشاً كانت تطعم الحاج ، فحرموا ذلك على من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم .