تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
بالعقاب ، والحق أن القرآن بشارة ونذارة إلا أنه أطلق اسم الفاعل عليه للتنبيه على كونه كاملاً في هذه الصفة ، كما يقال شعر شاعر وكلام قائل . الصفة العاشرة : كونهم معرضين عنه لا يسمعون ولا يلتفتون إليه ، فهذه هي الصفات العشرة التي وصف الله القرآن بها ، ويتفرع عليها مسائل : المسألة الأولى : القائلون بخلق القرآن احتجوا بهذه الآية من وجوه الأول : أنه وصف القرآن بكونه تنزيلاً ومنزلاً والمنزل والتنزيل مشعر بالتصير من حال ، فوجب أن يكون مخلوقاً الثاني : أن التنزيل مصدر والمصدر هو المفعول المطلق باتفاق النحويين الثالث : المراد بالكتاب إما الكتاب وهو المصدر الذي هو المفعول المطلق أو المكتوب الذي هو المفعول الرابع : أن قوله * ( فصلت ) * يدل على أن متصرفاً يتصرف فيه بالتفصيل والتمييز ، وذلك لا يليق بالقديم الخامس : أنه إنما سمي قرآناً لأنه قرن بعض أجزائه بالبعض وذلك يدل على كونه مفعول فاعل ومجعول جاعل السادس : وصفه عربياً ، وإنما صحت هذه النسبة لأجل أن هذه الألفاظ إنما دخلت على هذه المعاني بحسب وضع العرب واصطلاحاتهم ، وما جعل بجعل جاعل وفعل فاعل فلا بدّ وأن يكون محدثاً ومخلوقاً الجواب : أن كل هذه الوجوه التي ذكرتموها عائدة إلى اللغات وإلى الحروف والكلمات ، وهي عندنا محدثة مخلوقة ، إنما الذي ندعي قدمه شيء آخر سوى هذه الألفاظ والله أعلم . المسألة الثانية : ذهب أكثر المتكلمين إلى أنه يجب على المكلف تنزيل ألفاظ القرآن على المعاني التي هي موضوعة لها بحسب اللغة العربية ، فأما حملها على معان أُخر لا بهذا الطريق فهذا باطل قطعاً ، وذلك مثل الوجوه التي يذكرها أهل الباطن ، مثل أنهم تارة يحملون الحروف على حساب الجمل وتارة يحملون كل حرف على شيء آخر ، وللصوفية طرق كثيرة في الباب ويسمونها علم المكاشفة والذي يدلل على فساد تلك الوجوه بأسرها قوله تعالى : * ( قرآناً عربياً ) * وإنما سماه عربياً لكونه دالاً على هذه المعاني المخصوصة بوضع العرب وباصطلاحاتهم ، وذلك يدل على أن دلالة هذه الألفاظ لم تحصل إلا على تلك المعاني المخصوصة ، وأن ما سواه فهو باطل . المسألة الثالثة : ذهب قم إلى أنه حصل في القرآن من سائر اللغات كقوله * ( إستبرق ) * ( الكهف : 31 ) و * ( سجيل ) * ( هود : 82 ) فإنهما فارسيان ، وقوله * ( مشكاة ) * ( النور : 35 ) فإنها من لغة الحبشة وقوله * ( قسطاس ) * ( الإسراء : 35 ) فإنه من لغة الروم والذي يدل على فساد هذا المذهب قوله * ( قرآناً عربياً ) * ، وقوله * ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ) * ( إبراهيم : 4 ) . المسألة الرابعة : قالت المعتزلة لفظ الإيمان والكفر والصلاة والزكاة والصوم والحج ألفاظ شرعية لا لغوية ، والمعنى أن الشرع نقل هذه الألفاظ عن مسمياتها اللغوية الأصلية إلى مسميات أخرى ، وعندنا أن هذا باطل ، وليس للشرع تصرف في هذه الألفاظ عن مسمياتها إلا
تفسير الرازي — صفحة 95 | فخر الدين الرازي