هؤلاء عدداً فإنما يعرف في الأخبار ، وأما أنهم كانوا أشد قوة وآثاراً في الأرض ، فلأنه قد بقيت آثارهم بحصون عظيمة بعدهم ، مثل الأهرام الموجودة بمصر ، ومثل هذه البلاد العظيمة التي بناها الملوك المتقدمون ، ومثل ما حكى الله عنهم من أنهم كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً .
ثم قال تعالى : * ( فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ) * ما في قوله * ( فما أغنى عنهم ) * نافية أو مضمنة معنى الاستفهام ومحلها النصب ، وما في قوله * ( ما كانوا يكسبون ) * موصولة أو مصدرية ومحلها الرفع يعني أي شيء أغنى عنهم مكسوبهم أو كسبهم . ثم بيّن تعالى أن أولئك الكفار لما جاءتهم رسلهم بالبينات والمعجزات فرحوا بما عندهم من العلم ، واعلم أن الضمير في قوله * ( فرحوا ) * يحتمل أن يكون عائداً إلى الكفار ، وأن يكون عائداً إلى الرسل ، أما إذا قلنا إنه عائد إلى الكفار ، فذلك العلم الذي فرحوا به أي علم كان ؟ وفيه وجوه الأول : أن يكون المراد الأشياء التي كانوا يسمونها بالعلم ، وهي الشبهات التي حكاها الله عنهم في القرآن كقولهم * ( وما يهلكنا إلا الدهر ) * ( الجاثية : 24 ) وقولهم * ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ) * ( الأنعام : 148 ) وقولهم * ( من يحيي العظام وهي رميم ) * ( يعس : 78 ) ، * ( ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً ) * ( الكهف : 36 ) وكانوا يفرحون بذلك ويدفعون به علوم الأنبياء ، كما قال : * ( كل حزب بما لديهم فرحون ) * ( المؤمنون : 53 ) ، الثاني : يجوز أن يكون المراد علوم الفلاسفة ، فإنهم كانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علومهم ، وعن سقراط أنه سمع بمجيء بعض الأنبياء فقيل له لو هاجرت فقال نحن قوم مهديون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا الثالث : يجوز أن يكون المراد علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها ، كما قال تعالى : * ( يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ) * ( الروم : 7 ) ، * ( ذلك مبلغهم من العلم ) * ( النجم : 30 ) فلما جاءهم الرسل بعلوم الديانات وهي معرفة الله تعالى ومعرفة العماد وتطهير النفس عن الرذائل لم يلتفتوا إليها واستهزؤا بها ، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم ، ففرحوا به . أما إذا قلنا الضمير عائد إلى الأنبياء ففيه وجهان الأول : أن يجعل الفرح للرسل ، ومعناه أن الرسل لما رأوا من قومهم جهلاً كاملاً ، وإعراضاً عن الحق وعلموا سوء عاقبتهم وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم وإعراضهم ، فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله عليه ، وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم الثاني : أن يكون المراد فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك منه واستهزاء به ، كأنه قال استهزؤا بالبينات ، وبما جاؤوا به من علم الوحي فرحين ، ويدل عليه قوله تعالى : * ( وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ) * .
ثم قال تعالى : * ( فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين ) * البأس شدة العذاب ومنه قوله تعالى : * ( بعذاب بئيس ) * ( الأعراف : 165 ) فإن قيل أي فرق بين قوله * ( فلم يك ينفعهم إيمانهم ) * وبين ما لو قيل فلم ينفعهم إيمانهم ؟ قلنا هو مثل كان في نحو قوله * ( ما كان لله أن يتخذ من ولد ) * ( مريم : 35 ) والمعنى فلم يصح ولم يستقم أن ينفعهم إيمانهم ، فإن قيل اذكروا ضابطاً في الوقت الذي لا ينفع الإتيان
تفسير الرازي — صفحة 91
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٩١