تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
تعالى في هذا المقام ، وبيّن أن الحكمة في خلق الليل حصول الراحة بسبب النوم والسكون ، والحكمة في خلق النهار ، إبصار الأشياء ليحصل مكنة التصرف فيها على الوجه الأنفع ، أما أن السكون في وقت النوم سبب للراحة فبيانه من وجهين : الأول : أن الحركات توجب الإعياء من حيث إن الحركة توجب السخونة والجفاف ، وذلك يوجب التألم والثاني : أن الإحساس بالأشياء إنما يمكن بإيصال الأرواح الجسمانية إلى ظاهر الحس ، ثم إن تلك الأرواح تتحلل بسبب كثرة الحركات فتضعف الحواس والإحساسات ، وإذا نام الإنسان عادت الأرواح الحساسة في باطن البدن وركزت وقويت وتخلصت عن الإعياء ، وأيضاً الليل بارد رطب فبرودته ورطوبته يتداركان ما حصل في النهار من الحر والجفاف بسبب ما حدث من كثرة الحركات ، فهذه هي المنافع المعلومة من قوله تعالى : * ( الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ) * وأما قوله * ( والنهار مبصراً ) * فاعلم أن الإنسان مدني بالطبع ، ومعناه أنه ما لم يحصل مدينة تامة لم تنتظم مهمات الإنسان في مأكوله ومشروبه وملبسه ومنكحه ، وتلك المهمات لا تحصل إلا بأعمال كثيرة ، وتلك الأعمال تصرفات في أمور ، وهذه التصرفات لا تكمل إلا بالضوء والنور حتى يميز الإنسان بسبب ذلك النور بين ما يوافقه وبين ما لا يوافقه ، فهذا هو الحكمة في قوله * ( والنهار مبصراً ) * فإن قيل كان الواجب بحسب رعاية النظم أن يقال هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار لتبصروا فيه ، أو فجعل لكم الليل ساكناً ولكنه لم يقل كذلك بل قال في الليل لتسكنوا فيه ، وقال في النهار مبصراً فما الفائدة فيه ؟ وأيضاً فما الحكمة في تقديم ذكر الليل على ذكر النهار مع أن النهار أشرف من الليل ؟ قلنا : أما الجواب عن الأول : فهو أن الليل والنوم في الحقيقة طبيعة عدمية فهو غير مقصود بالذات ، أما اليقظة فأمور وجودية ، وهي مقصودة بالذات ، وقد بيّن الشيخ عبد القاهر النحوي في " دلائل الإعجاز " أن دلالة صيغة الاسم على التمام والكمال أقوى من دلالة صيغة الفعل عليهما ، فهذا هو السبب في هذا الفرق والله أعلم ، وأما الجواب عن الثاني : فهو أن الظلمة طبيعة عدمية والنور طبيعة وجودية والعدم في المحدثات مقدم على الوجود ، ولهذا السبب قال في أول سورة الأنعام * ( وجعل الظلمات والنور ) * ( الأنعام : 1 ) . واعلم أنه تعالى لما ذكر ما في الليل والنهار من المصالح والحكم البالغة قال : * ( إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) * والمراد أن فضل الله على الخلق كثيراً جداً ولكنهم لا يشكرونه ، وأعلم أن ترك الشكر لوجوه : أحدها : أن يعتقد الرجل أن هذه النعم ليست من الله تعالى مثل أن يعتقد أن هذه الأفلاك واجبة الوجود لذواتها وواجبة الدوران لذواتها ، فحينئذٍ هذا الرجل لا يعتقد أن هذه النعم من الله وثانيها أن الرجل وإن اعتقد أن كل العالم حصل بتخليق الله وتكوينه إلا أن هذه النعم العظيمة ، أعني نعمة تعاقب الليل والنهار لما دامت واستمرت نسيها الإنسان ، فإذا ابتلي الإنسان بفقدان شيء منها عرف قدرها مثل أن يتفق لبعض الناس والعياذ بالله أن يحبسه بعض الظلمة في آبار عميقة مظلمة مدة مديدة ، فحينئذٍ يعرف ذلك الإنسان قدر نعمة
تفسير الرازي — صفحة 82 | فخر الدين الرازي