تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
واحد منهم محكوم عليه بأنه لا يؤمن لزم وقوع الخلف في كلام الله ، لأن كثيراً ممن كفر فقد آمن بعد ذلك ، أما لو حملناه على أن مجموع الذين كفروا لا يؤمنون سواء آمن بعضهم أو لم يؤمن صدق وتخلص عن الخلف ، فلا جرم حملنا هذه الآية على سلب العموم ولم نحملها على عموم السلب فكذا قوله * ( ما للظالمين من حميم ولا شفيع ) * يجب حمله على سلب العموم لا على عموم السلب ، وحينئذ استدلال المعتزلة بهذه الآية فهذا غاية الكلام في هذا الباب . المسألة الرابعة : في بيان نظم الآية ، فنقول إنه تعالى ذكر في هذه الآية جميع الأسباب الموجبة للخوف فأولها : أنه سمى ذلك اليوم يوم الآزفة ، أي يوم القرب من عذابه لمن ابتلي بالذنب العظيم ، لأنه إذا قرب زمان عقوبته كان في أقصى غايات الخوف ، حتى قيل إن تلك الغموم والهموم أعظم في الإيحاش من عين تلك العقوبة والثاني : قوله * ( إذ القلوب لدى الحناجر ) * والمعنى أنه بلغ ذلك الخوف إلى أن انقلع القلب من الصدر وارتفع إلى الحنجرة والتصق بها وصار مانعاً من دخول النفس والثالث : قوله * ( كاظمين ) * والمعنى أنه لا يمكنهم أن ينطقوا وأن يشرحوا ما عندهم من الحزن والخوف ، وذلك يوجب مزيد القلق والاضطراب الرابع : قوله * ( ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) * فبين أنه ليس لهم قريب ينفعهم ، ولا شفيع يطاع فيهم فتقبل شفاعته والخامس : قوله * ( يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ) * والمعنى أنه سبحانه عالم لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ، والحاكم إذا بلغ في العلم إلى هذا الحد كان خوف المذنب منه شديداً جداً ، قال صاحب " الكشاف " : الخائنة صفة النظرة أو مصدر بمعنى الخائنة ، كالعافية المعاناة ، والمراد استراق النظر إلى ما لا يحله كما يفعل أهل الريب ، والمراد بقوله * ( وما تخفي الصدور ) * مضمرات القلوب ، والحاصل أن الأفعال قسمان : أفعال الجوارح وأفعال القلوب ، أما أفعال الجوارح ، فأخفاها خائنة الأعين والله أعلم بها ، فكيف الحال في سائر الأعمال . وأما أفعال القلوب ، فهي معلومة لله تعالى لقوله * ( وما تخفي الصدور ) * فدل هذا على كونه تعالى عالماً بجميع أفعالهم السادس : قوله تعالى : * ( والله يقضي بالحق ) * وهذا أيضاً يوجب عظم الخوف ، لأن الحاكم إذا كان عالماً بجميع الأحوال ، وثبت منه أنه لا يقضي إلا بالحق في كل ما دق وجل ، كان خوف المذنب منه في الغاية القصوى السابع : أن الكفار إنما عولوا في دفع العقاب عن أنفسهم على شفاعة هذه الأصنام ، وقد بيّن الله تعالى أنه لا فائدة فيها البتة ، فقال : * ( والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء ) * الثامن : قوله * ( إن الله هو السميع البصير ) * أي يسمع من الكفار ثناءهم على الأصنام ، ولا يسمع منهم ثناءهم على الله ويبصر خضوعهم وسجودهم لهم ، ولا يبصر خضوعهم وتواضعهم لله ، فهذه الأحوال الثمانية إذا اجتمعت في حق المذنب الذي عظم ذنبه كان بالغاً في التخويف إلى الحد الذي لا تعقل الزيادة عليه ، ثم إنه تعالى لما بالغ في تخويف الكفار بعذاب الآخرة أردف ببيان تخويفهم بأحوال الدنيا فقال : * ( أولم