تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ) * ( الواقعة : 83 ، 84 ) وقال : * ( كلا إذا بلغت التراقي ) * ( القيامة : 26 ) وأيضاً فوصف يوم الموت بالقرب أولى من وصف يوم القيامة بالقرب ، وأيضاً الصفات المذكورة بعد قوله الآزفة لائقة بيوم حضور الموت لأن الرجل عند معاينة ملائكة العذاب يعظم خوفه ، فكأن قلوبهم تبلغ حناجرهم من شدة الخوف ، ويبقوا كاظمين ساكتين عن ذكر ما في قلوبهم من شدة الخوف ولا يكون لهم حميم ولا شفيع يدفع ما بهم من أنواع الخوف والقلق . المسألة الثانية : اختلفوا في أن المراد من قوله * ( إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ) * كناية عن شدة الخوف أو هو محمول على ظاهره ، قيل المراد وصف ذلك اليوم بشدة الخوف والفزع ونظيره قوله تعالى : * ( وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا ) * ( الأحزاب : 10 ) وقال : * ( فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ) * ( الواقعة : 83 ، 84 ) وقيل بل هو محمول على ظاهره ، قال الحسن : القلوب انتزعت من الصدور بسبب شدة الخوف وبلغت القلوب الحناجر فلا تخرج فيموتوا ولا ترجع إلى مواضعها فيتنفسوا ويتروحوا ولكنها مقبوضة كالسجال كما قال : * ( فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا ) * ( الملك : 27 ) وقوله * ( كاظمين ) * أي مكروبين والكاظم الساكت حال امتلائه غماً وغيظاً فإن قيل بم انتصب * ( كاظمين ) * قلنا أن يكون حال عن القلوب ، وأن القلوب كاظمة على غم وكرب فيها مع بلوغها الحناجر ، وإنما جمع الكاظمة جمع السلامة لأنه وصفها بالكظم الذي هو من أفعال العقلاء كما قال : * ( رأيتهم لي ساجدين ) * ( يوسف : 4 ) وقال : * ( فظلت أعناقهم لها خاضعين ) * ( الشعراء : 4 ) ويعضده قراءة من قرأ كاظمون وبالجملة فالمقصود من الآية تقرير أمرين أحدهما : الخوف الشديد وهو المراد من قوله * ( إذ القلوب لدى الحناجر ) * ، والثاني : العجز عن الكلام وهو المراد من قوله * ( كاظمين ) * فإن الملهوف إذا قدر على الكلام حصلت له خفقة وسكون ، أما إذا لم يقدر على الكلام وبث الشكوى عظم قلقه وقوي خوفه . المسألة الثالثة : احتج أكثر المعتزلة في نفي الشفاعة عن المذنبين بقوله تعالى : * ( ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) * قالوا نفى حصول شفيع لهم يطاع فوجب أن لا تحصل لهم هذا الشفيع أجاب أصحابنا عنه من وجوه : الأول : أنه تعالى نفى أن يحصل لهم شفيع يطاع وهذا لا يدل على نفي الشفيع ، ألا ترى أنك إذا قلت ما عندي كتاب يباع فهذا يقتضي نفي كتاب يباع ولا يقتضي نفي الكتاب وقالت العرب : ولا ترى الضب بها ينجحر ولفظ الطاعة يقتضي حصول المرتبة فهذا يدل على أنه ليس لهم يوم القيامة شفيع يطيعه الله ، لأنه ليس في الوجود أحد أعلى حالاً من الله تعالى حتى يقال إن الله يطيعه الوجه الثاني : في الجواب أن المراد من الظالمين ، ههنا الكفار والدليل عليه أن هذه الآية وردت في زجر الكفار
تفسير الرازي — صفحة 50 | فخر الدين الرازي