تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
الأرض هابطة أو صاعدة لم يحصل الانتفاع بها ، وبتقدير كون الأرض من الذهب والفضة أو الحديد لم يحصل الانتفاع ، وكل ذلك قد بيناه ، فإن قيل ما معنى * ( منه ) * في قوله * ( جميعاً منه ) * ؟ قلنا معناه أنها وقعة موقع الحال ، والمعنى أنه سخّر هذه الأشياء كائنة منه وحاصلة من عنده يعني أنه تعالى مكونها وموجودها بقدرته وحكمته ثم مسخرها لخلقه ، قال صاحب " الكشاف " قرأ سلمة بن محارب منه على أن يكون منه فعل سخر على الإسناد المجازي أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أي ذلك منه أو هو منه . واعلم أنه تعالى لم علم عباده دلائل التوحيد والقدرة والحكمة ، أتبع ذلك بتعليم الأخلاق الفاضلة والأفعال الحميدة بقوله * ( قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ) * والمراد بالذين لا يرجون أيام الله الكفار ، واختلفوا في سبب نزول الآية قال ابن عباس * ( قل للذين آمنوا ) * يعني عمر * ( يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ) * يعني عبد لله بن أُبي ، وذلك أنهم نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر يقال لها المريسيع ، فأرسل عبد الله غلامة ليستقي الماء فأبطأ عليه ، فلما أتاه قال له ما حبسك ؟ قال غلام عمر قعد على طرف البئر فما ترك أحد يستقي حتى ملأ قرب النبي صلى الله عليه وسلم وقرب أبي بكر وملأ لمولاه ، فقال عبد الله ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل سمن كلبك يأكلك ، فبلغ قوله عمر فاشتمل بسيفه يريد التوجه إليه ، فأنزل الله هذه الآية ، وقال مقاتل شتم رجل من كفار قريش عمر بمكة فهم أن يبطش به فأمر الله بالعفو والتجاوز وأنزل هذه الآية . وروى ميمون بن مهران أن فنحاص اليهودي لما أنزل قوله * ( من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً ) * ( البقرة : 245 ) قال احتاج رب محمد ، فسمع بذلك عمر فاشتمل على سيفه وخرج في طلبه ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبه حتى رده ، وقوله * ( للذين لا يرجون أيام الله ) * قال ابن عباس لا يرجون ثواب الله ولا يخافون عقابه ولا يخشون مثل عقاب الأمم الخالية ، وذكرنا تفسير أيام الله عند قوله * ( وذكرهم بأيام الله ) * ( إبراهيم : 5 ) وأكثر المفسرين يقولون إنه منسوخ ، وإنما قالوا ذلك لأنه يدخل تحت الغفران أو لا يقتلوا ، فما أمر الله بهذه المقاتلة كان نسخاً ، والأقرب أن يقل إنه محمول على ترك المنازعة في المحقرات على التجاوز عما يصدر عنهم من الكلمات المؤذية والأفعال الموحشة . ثم قال تعالى : * ( ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون ) * أي لكي يجازي بالمغفرة قوماً يعملون الخير ، فإن قيل : ما الفائدة في التنكير في قوله * ( ليجازي قوماً ) * مع أن المراد بهم هم المؤمنون المذكورون في قوله * ( قل للذين آمنوا ) * ؟ قلنا التنكير يدل على تعظيم شأنهم كأنه قيل : ليجزي قوماً وأي قوم من شأنهم الصفح عن السيئات والتجاوز عن المؤذيات وتحمل الوحشة وتجرع المكروه ، وقال آخرون معنى الآية قل للمؤمنين يتجاوزوا عن الكفار ، ليجزي الله الكفار بما كانوا يكسبون من الإثم ، كأنه قيل لهم لا تكافئوهم أنتم حتى نكافئهم نحن ، ثم ذكر الحكم العام فقال : * ( من عمل صالحاً