وطلب الرياسة فحملتهم الحمية النفسانية والأنفة الطبعية ، على أن ذهب كل طائفة إلى مذهب ودعا الناس إليه وقبح ما سواه طلباً للذكر والرياسة ، فصار ذلك سبباً لوقوع الاختلاف ، ثم أخب تعالى أنهم استحقوا العذاب بسبب هذا الفعل ، إلا أنه تعالى أخر عنهم ذلك العذاب ، لأن لكل عذاب عنده أجلاً مسمى ، أي وقتاً معلوماً ، إما لمحض المشيئة كما هو قولنا ، أو لأنه علم أن الصلاح تحقيقه به كما عند المعتزلة ، وهو معنى قوله * ( ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم ) * والأجل المسمى قد يكون في الدنيا وقد يكون في القيامة ، واختلفوا في الذين أريدوا بهذه الصفة من هم ؟ فقال الأكثرون هم اليهود والنصارى ، والدليل قوله تعالى في آل عمران * ( وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ) * ( آل عمران : 19 ) وقال في سورة لم يكن * ( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ) * ( البينة : 4 ) ولأن قوله * ( إلا من بعد ما جاءهم العلم ) * لائق بأهل الكتاب ، وقال آخرون : إنهم هم العرب ، وهذا باطل للوجوه المذكورة ، لأن قوله تعالى بعد هذه الآية * ( وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم ) * لا يليق بالعرب ، لأن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم ، هم أهل الكتاب الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم * ( لفي شك منه ) * من كتابهم * ( مريب ) * لا يؤمنون به حق الإيمان .
ثم قال تعالى : * ( فلذلك فادع واستقم كما أمرت ) * يعني فلأجل ذلك التفرق ولأجل مات حدث من الاختلافات الكثيرة في الدين ، فادع إلى الاتفاق على الملة الحنيفية واستقم عليها وعلى الدعوة إليها ، كما أمرك الله ، ولا تتبع أهواءهم المختلفة الباطلة * ( وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب ) * أي بأي كتاب صح أن الله أنزله ، يعني لإيمان بجميع الكتب المنزلة ، لأن المتفرقين آمنوا ببعض وكفروا ببعض ، ونظيره قوله * ( نؤمن ببعض ونكفر ببعض ) * إلى قوله * ( أولئك هم الكافرون ) * ( النساء : 151 )
ثم قال : * ( وأمرت لأعدل بينكم ) * أي في الحكم إذا تخاصمتم فتحاكمتم إلي ، قل القفال : معناه أن ربي أمرني أن لا أفرق بين نفسي وأنفسكم بأن آمركم بما لا أعمله ، أو أخالفكم إلى ما نهيتكم عنه ، لكني أسوي بينكم وبين نفسي ، وكذلك أسوي بين أكابركم وأصاغركم فيما يتعلق بحكم الله .
ثم قال : * ( الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير ) * والمعنى أن إله الكل واحد ، وكل واحد مخصوص بعمل نفسه ، فوجب أن يشتغل كل واحد في الدنيا بنفسه ، فإن الله يجمع بين الكل في يوم القيامة ويجازيه على عمله ، والمقصود منه المتاركة واشتغال كل أحد بمهم نفسه ، فإن قيل كيف يليق بهذه المتاركة ما فعل بهم من القتل وتخريب البيوت وقطع النخيل والإجلاء ؟ قلنا هذه المتاركة كانت مشروطة بشرط أن يقبلوا الدين المتفق على صحته بين كل الأنبياء ، ودخل فيه التوحيد ، وترك عبادة الأصنام ، والإقرار بنبوة الأنبياء ، وبحصة البعث والقيامة ، فلما لم يقبلوا هذا الدين ، فحينئذٍ فات الشرط ، فلا جرم فات المشروط .
تفسير الرازي — صفحة 158
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٥٨