تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
والمعنى شرع الله لكم يا أصحاب محمد من الدين ما وصى به نوحاً ومحمداً وإبراهيم وموسى وعيسى ، هذا هو المقصود من لفظ الآية ، وإنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع العظيمة والأتباع الكثيرة ، إلا أنه بقي في لفظ الآية إشكالات أحدها : أنه قال في أول الآية * ( ما وصى به نوحاً ) * وفي آخرها * ( وما وصينا به إبراهيم ) * وفي الوسط * ( والذي أوحينا إليك ) * فما الفائدة في هذا التفاوت ؟ وثانيها : أنه ذكر نوحاً عليه السلام على سبيل الغيبة فقال : * ( ما وصى به نوحاً ) * والقسمين الباقيين على سبيل التكلم فقال : * ( والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم ) * وثالثها : أنه يصير تقدير الآية : شرع الله لكم من الدين الذي أوحينا إليك فقوله * ( شرع لكم ) * خطاب الغيبة وقوله * ( والذي أوحينا إليك ) * خطاب الحضور ، فهذا يقتضي الجمع بين خطاب الغيبة وخطاب الحضور في الكلام الواحد بالاعتبار الواحد ، وهو مشكل ، فهذه المضايق يجب البحث عنها والقوم ما داروا حولها ، وبالجملة فالمقصود من الآية أنه يقال شرع لكم من الدين ديناً تطابقت الأنبياء على صحته ، وأقول يجب أن يكون المراد من هذا الدين شيئاً مغايراً للتكاليف والأحكام ، وذلك لأنها مختلفة متفاوتة قال تعالى : * ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ) * ( المائدة : 48 ) فيجب أن يكون المراد منه الأمور التي لا تختلف باختلاف الشرائع ، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، والإيمان يوجب الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة والسعي في مكارم الأخلاق والاحتراز عن رذائل الأحوال ، ويجوز عندي أن يكون المراد من قوله * ( ولا تتفرقوا ) * أي لا تتفرقوا بالآلهة الكثيرة ، كما قال يوسف عليه السلام : * ( أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ) * ( يوسف : 39 ) وقال تعالى : * ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) * ( الأنبياء : 25 ) واحتج بعضهم بقوله * ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً ) * على أن النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر كان مبعوثاً بشريعة نوح عليه السلام ، والجواب ما ذكرناه أنه عطف عليه سائر الأنبياء وذلك يدل على أن المراد هو الأخذ بالشريعة المتفق عليها بين الكل ، ومحل * ( أن أقيما الدين ) * إما نصب بدل من مفعول * ( شرع ) * والمعطوفين عليه ، وإما رفع على الاستئناف كأنه قيل ما ذاك المشروع ؟ فقيل هو إقامة الدين * ( كبر على المشركين ) * عظم عليهم وشق عليهم * ( ما تدعوهم إليه ) * من إقامة دين الله تعالى على سبيل الاتفاق والإجماع ، بدليل أن الكفار قالوا * ( أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب ) * ( ص : 5 ) وههنا مسائل : المسألة الأولى : احتج نفاة القياس بهذه الآية قالوا إنه تعالى أخبر أن أكابر الأنبياء أطبقوا على أنه يجب إقامة الدين بحث لا يفضي إلى الاختلاف والتنازع ، والله تعالى ذكر في معرض المنّة على عباده أنه أرشدهم إلى الدين الخالي عن التفرق والمخالفة ومعلوم أن فتح باب القياس يفضي إلى أعظم أنواع التفرق والمنازعة ، فإن الحس شاهد بأن هؤلاء الذين بنوا دينهم على
تفسير الرازي — صفحة 156 | فخر الدين الرازي