تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
تكاد السماوات تنشق وتنفطر من هيبة من هو فوقها فوقية بالإلهية والقهر والقدرة ؟ فثبت بهذه الوجوه أن القول الذي ذكروه في غاية الفساد والركاكة والوجه الثاني : في تأويل الآية ما ذكره صاحب " الكشاف " : وهو أن كلمة الكفر إنما جاءت من الذين تحت السماوات ، وكان القياس أن يقال : يتفطرن من تحتهن من الجهة التي جاءت منها الكلمة ، ولكنه بولغ في ذلك فقلب فجعلت مؤثرة في جهة الفوق ، كأنه قيل : يكدن يتفطرن من الجهة التي فوقهن ، ودع الجهة التي تحتهن ، ونظيره في المبالغة قوله تعالى ؛ * ( يصب من فوق رؤوسهم الحميم * يصهر به ما في بطونهم والجلود ) * ( الحج : 19 ، 20 ) فجعل مؤثراً في أجزائه الباطنة الوجه الثالث : في تأويل الآية أن يقال * ( من فوقهن ) * أي من فوق الأرضين ، لأنه تعالى قال قبل هذه الآية * ( له ما في السماوات وما في الأرض ) * ثم قال : * ( تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن ) * أي من فوق الأرضين والوجه الرابع : في التأويل أن يقال معنى * ( من فوقهن ) * أي من الجهة التي حصلت هذه السماوات فيها ، وتلك الجهة هي فوق ، فقوله * ( من فوقهن ) * أي من الجهة الفوقانية التي هن فيها . المسألة الثالثة : اختلفوا في أن هذه الهيئة لم حصلت ؟ وفيه قولان الأول : أنه تعالى لما بيّن أن الموحي لهذا الكتاب هو الله العزيز الحكيم ، بيّن وصف جلاله وكبريائه ، فقال : * ( تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن ) * أي من هيبته وجلالته والقول الثاني : أن السبب في إثباتهم الولد لله لقوله * ( تكاد السماوات يتفطرن منه ) * ( مريم : 90 ) ، وههنا السبب فيه إثباتهم الشركاء لله ، لقوله بعد هذه الآية * ( والذين اتخذوا من دونه أولياء ) * والصحيح هو الأول ، ثم قال : * ( والملائكة يسبِّحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ) * . واعلم أن مخلوقات الله تعالى نوعان : عالم الجسمانيات وأعظمها السماوات ، وعالم الروحانيات وأعظمها الملائكة ، والله تعالى يقرر كمال عظمته لأجل نفاذ قدرته وهيبته في الجسمانيات ، ثم يردفه بنفاذ قدرته واستيلاء هيبته على الروحانيات ، والدليل عليه أنه تعالى قال في سورة * ( عم يتساءلون ) * ( النبأ : 1 ) لما أراد تقرير العظمة والكبرياء بدأ بذكر الجسمانيات ، فقال : * ( ربّ السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطاباً ) * ( النبأ : 37 ) ثم انتقل إلى ذكر عالم الروحانيات ، فقال * ( يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً ) * ( النبأ : 38 ) فكذلك القول في هذه الآية بين كمال عظمته باستيلاء هيبته على الجسمانيات ، فقال : * ( تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن ) * ثم انتقل إلى ذكر الروحانيات ، فقال : * ( والملائكة يسبحون بحمد ربهم ) * فهذا ترتيب شريف وبيان باهر . واعلم أن الموجودات على ثلاثة أقسام : مؤثر لا يقبل الأثر ، وهو الله سبحانه وتعالى وهو أشرف الأقسام ، ومتأثر لا يؤثر ، وهو القابل وهو الجسم وهو أخس الأقسام ، وموجود يقبل الأثر من القسم الأول ، ويؤثر في القسم الثاني وهو الجواهر الروحانيات المقدسة ، وهو المرتبة