تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
ثم قال تعالى : * ( فقضاهن سبع سماوات في يومين ) * وقضاء الشيء إنما هو إتمامه والفراغ منه والضمير في قوله * ( فقضاهن ) * يجوز أن يرجع إلى السماء على المعنى كما قال : * ( طائعين ) * ونحوه * ( أعجاز نخل خاوية ) * ( الحاقة : 7 ) ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً مفسراً بسبع سماوات والفرق بين النصبين أن أحدهما على الحال والثاني على التمييز . ذكر أهل الأثر أنه تعالى خلق الأرض في يوم الأحد والاثنين وخلق سائر ما في الأرض في يوم الثلاثاء والأربعاء ، وخلق السماوات وما فيها في يوم الخميس والجمعة وفزع في آخر ساعة من يوم الجمعة فخلق فيها آدم وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة ، فإن قيل اليوم عبارة عن النهار والليل وذلك إنما يحصل بسبب طلوع الشمس وغروبها ، وقبل حدوث السماوات والشمس والقمر كيف يعقل حصول اليوم ؟ قلنا معناه إنه مضى من المدة ما لوم حصل هناك فلك وشمس لكان المقدار مقدرا بيوم . ثم قال تعالى : * ( وأوحى في كل سماء أمره ) * قال مقاتل أمر في كل سماء بما أراد ، وقال قتادة خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها ، وقال السدي خلق في كل سماء خلقها من الملائكة وما فيها من البحار وجبال البرد ، قال والله في كل سماء بيت يحج إليه ويطوف به الملائكة كل واحد منها مقابل الكعبة ولو وقعت منه حصاة ما وقعت إلا على الكعبة ، والأقرب أن يقال قد ثبت في علم النحو أنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب ، والله تعالى على أهل كل سماء تكليف خاص ، فمن الملائكة من هو في القيام في أول خلق العالم إلى قيام القيامة ، ومنهم ركوع لا ينتصبون ومنهم سجود لا يرفعون ، وإذا كان ذلك الأمر مختصاً بأهل ذلك السماء كان ذلك الأمر مختصاً بتلك السماء ، وقوله تعالى : * ( وأوحى في كل سماء أمرها ) * أي وكان قد خص كل سماء بالأمر المضاف إليها كقوله * ( وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا ) * ( الأعرف : 4 ) والمعنى فكان قد جاءها ، هذا ما نقله الواحدي وهو عندي ضعيف لأن تقدير الكلام ثم كان قد استوى إلى السماء وكان قد أوحى ، وهذا جمع بين الضدين لأن كلمة ثم تقتضي التأخير وكلمة كان تقتضي التقديم فالجمع بينهما تفيد التناقض ، ونظيره قول القائل ضربت اليوم زيداً ثم ضربت عمراً بالأمس ، فكما أن هذا باطل فكذا ما ذكرتموه وإنما يجوز تأويل كلام الله بما لا يؤدي إلى وقوع التناقض والركاكة فيه ، والمختار عند أي يقال خلق السماوات مقدم على خلق الأرض ، بقي أن يقال كيف تأويل هذه الآية ؟ فنقول : الخلق ليس عبارة عن التكوين والإيجاد ، بل هو عبارة عن التقدير ، والتقدير حق الله تعالى هو حكمه بأنه سيوجده وقضاؤه بذلك ، وإذا ثبت هذا فنقول قوله * ( خلق الأرض في يومين ) * معناه أنه قضى بحدوثه في يومين ، وقضاء الله بأنه سيحدث كذا في مدة كذا ، لا يقتضي حدوث ذلك