خلق الأرض في يومين أولاً ثم خلق بعدها السماء ، ثم بعد خلق السماء دحا الأرض ، وبهذا الطريق يزول التناقض ، واعلم أن هذا الجواب مشكل عندي من وجوه الأول : أنه تعالى بيّن أنه خلق الأرض في يومين ، ثم إنه في اليوم الثلث * ( جعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها ) * وهذه الأحوال لا يمكن إدخالها في الوجود إلا بعد أن صارت الأرض مدحوة لأن خلق الجبال فيها لا يمكن إلا بعد أن صارت الأرض مدحوة منبسطة ، وقوله تعالى : * ( وبارك فيها ) * مفسر بخلق الأشجار والنبات والحيوان فيها ، وذلك لا يمكن إلا بعد صيرورتها منبسطة ، ثم إنه تعالى قال بعد ذلك * ( ثم استوى إلى السماء ) * فهذا يقتضي أنه تعالى خلق السماء بعد خلق الأرض وبعد أن جعلها مدحوة ، وحينئذ يعود السؤال المذكور الثاني : أنه قد دلّت الدلائل الهندسية على أن الأرض كرة ، فهي في أول حدوثها إن قلنا إنها كانت كرة والآن بقيت كرة أيضاً فهي منذ خلقت كانت مدحوة ، وإن قلنا إنها غير كرة ثم جعلت كرة فيلزم أن يقال إنها كانت مدحوة قبل ذلك ثم أزيل عنها هذه الصفة ، وذلك باطل الثالث : أن الأرض جسم في غاية العظم ، والجسم الذي يكون كذلك فإنه من أول دخوله في الوجود يكون مدحواً ، فيكون القول بأنها ما كانت مدحوة ، ثم صارت مدحوة قول باطل ، والذي جاء في كتب التواريخ أن الأرض خلقت في موضع الصخرة ببيت المقدس ، فهو كلام مشكل لأنه إن كانت المراد أنها على عظمها خلقت في ذلك الموضع ، فهذا قول بتداخل الأجسام الكثيفة وهو محال ، وإن كان المراد منه أنه خلق أولاً أجزاء صغيرة في ذلك الموضع ثم خلق بقية أجزائها ، وأضيفت إلى تلك الأجزاء التي خلقت أولاً ، فهذا يكون اعترافاً بأن تخليق الأرض وقع متأخراً عن تخليق السماء الرابع : أنه لما حصل تخليق ذات الأرض في يومين وتخليق سائر الأشياء الموجودة في الأرض في يومين آخرين وتخليق السماوات في يومين آخرين كان مجموع ذلك ستة أيام ، فإذا حصل دحو الأرض في أكثر من ستة أيام وذلك باطل الخامس : أنه لا نزاع أن قوله تعالى بعد هذه الآية * ( ثم استوى إلى السماء فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً ) * كناية عن إيجاد السماء والأرض ، فلو تقدم إيجاد السماء على إيجاد الأرض لكان قوله * ( ائتيا طوعاً أو كرهاً ) * يقتضي إيجاد الموجود وأنه محال باطل .
فهذا تمام البحث عن هذا الجواب المشهور ، ونقل الواحدي في " البسيط " عن مقاتل أنه قال : خلق الله السماوات قبل الأرض وتأويل قوله * ( ثم استوى إلى السماء ) * ثم كان قد استوى إلى السماء وهي دخان ، وقال لها قبل أن يخلق الأرض فأضمر فيه كان لما قال تعالى : * ( قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ) * ( يوسف : 77 ) معناه إن يكن سرق ، وقال تعالى : * ( وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا ) * ( الأعراف : 4 ) والمعنى فكان قد جاءها ، هذا ما نقله الواحدي وهو عندي ضعيف ، لأن تقدير الكلام ثم كان قد استوى إلى السماء ، وهذا جمع بين الضدين لأن كلمة * ( ثم ) * تقتضي التأخير ، وكلمة كان
تفسير الرازي — صفحة 105
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٠٥