تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
الكلام زيف طريقتهم في ذلك من ثلاثة أوجه أولها : قوله : * ( وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلاً ) * لأنهم لما وصفوه بالإضلال في قولهم : * ( إن كان لضلنا ) * بين تعالى أنه سيظهر لهم من المضل ومن الضال عند مشاهدة العذاب الذي لا مخلص لهم منه فهو وعيد شديد لهم على التعامي والإعراض عن الاستدلال والنظر وثانيها : قوله تعالى : * ( أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً ) * والمعنى أنه سبحانه بين أن بلوغ هؤلاء في جهالتهم وإعراضهم عن الدلائل إنما كان لاستيلاء التقليد عليهم وأنهم اتخذوا أهواءهم آلهة ، فكل ما دعاهم الهوى إليه انقادوا له ، سواء منع الدليل منه أو لم يمنع ، ثم ههنا أبحاث : الأول : قوله : * ( أرأيت ) * كلمة تصلح للإعلام والسؤال ، وههنا هي تعجيب من جهل من هذا وصفه ونعته . الثاني : قوله : * ( اتخذ إلهه هواه ) * معناه اتخذ إلهه ما يهواه أو إلهاً يهواه ، وقيل هو مقلوب ومعناه اتخذ هواه إلهه وهذا ضعيف ، لأن قوله : * ( اتخذ إلهه هواه ) * يفيد الحصر ، أي لم يتخذ لنفسه إلهاً إلا هواه ، وهذا المعنى لا يحصل عند القلب . قال ابن عباس : الهوى إله يعبد ، وقال سعيد بن جبير : كان الرجل من المشركين يعبد الصنم فإذا رأى أحسن منه رماه واتخذ الآخر وعبده . الثالث : قوله : * ( أفأنت تكون عليه وكيلاً ) * أي حافظاً تحفظه من اتباع هواه أي لست كذلك . الرابع : نظير هذه الآية قوله تعالى : * ( لست عليهم بمسيطر ) * ( الغاشية : 22 ) وقوله : * ( وما أنت عليهم بجبار ) * ( ق : 45 ) وقوله : * ( لا إكراه في الدين ) * ( البقرة : 256 ) قال الكلبي : نسختها آية القتال وثالثها : قوله : * ( أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ) * أم ههنا منقطعة ، معناه بل تحسب ، وذلك يدل على أن هذه المذمة أشد من التي تقدمتها حتى حقت بالإضراب عنها إليها ، وهي كونهم مسلوبي الأسماع والعقول ، لأنهم لشدة عنادهم لا يصغون إلى الكلام ، وإذا سمعوه لا يتفكرون فيه ، فكأنه ليس لهم عقل ولا سمع البتة ، فعند ذلك شبههم بالأنعام في عدم انتفاعهم بالكلام وعدم إقدامهم على التدبر والتفكر وإقبالهم على اللذات الحاضرة الحسية وإعراضهم عن طلب السعادات الباقية العقلية وها هنا سؤالات : السؤال الأول : لم قال : * ( أم تحسب أن أكثرهم ) * فحكم بذلك على الأكثر دون الكل ؟ والجواب : لأنه كان فيهم من يعرف الله تعالى ويعقل الحق ، إلا أنه ترك الإسلام لمجرد حب الرياسة لا للجهل . السؤال الثاني : لم جعلوا أضل من الأنعام ؟ الجواب : من وجوه : أحدها : أن الأنعام تنقاد لأربابها وللذي يعلفها ويتعهدها وتميز بين من يحسن إليها وبين من يسيء إليها ، وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها ، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يميزون بين إحسانه إليهم وبين إساءة الشيطان إليهم الذين هو عدو لهم ، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ، ولا يحترزون من العقاب الذي هو أعظم المضار وثانيها : أن قلوب الأنعام كما أنها تكون خالية عن العلم فهي