المسألة الثانية : جواب ( إذا ) هو ما أضمر من القول يعني وإذا رأوك مستهزئين قالوا أبعث الله هذا رسولاً ، وقوله : * ( إن يتخذونك ) * جملة اعترضت بين ( إذا ) وجوابها .
المسألة الثالثة : اتخذوه هزواً في معنى استهزؤا به والأصل اتخذوه موضع هزء أو مهزوءاً به .
المسألة الرابعة : اعلم أن الله تعالى أخبر عن المشركين أنهم متى رأوا الرسول أتوا بنوعين من الأفعال أحدهما أنهم يستهزئون به ، وفسر ذلك الاستهزاء بقوله : * ( أهذا الذي بعث الله رسولاً ) * وذلك جهل عظيم لأن الاستهزاء إما أن يقع بصورته أو بصفته . أما الأول فباطل لأنه عليه الصلاة والسلام كان أحسن منهم صورة وخلقة ، وبتقدير أنه لم يكن كذلك ، لكنه عليه السلام ما كان يدعي التمييز عنهم بالصورة بل بالحجة . وأما الثاني فباطل لأنه عليه السلام ادعى التميز عنهم في ظهور المعجز عليه دونهم ، وأنهم ما قدروا على القدح في حجته ودلالته ، ففي الحقيقة هم الذين يستحقون أن يهزأ بهم ، ثم إنهم لوقاحتهم قلبوا القضية واستهزؤا بالرسول عليه السلام ، وذلك يدل على أنه ليس للمبطل في كل الأوقات إلا السفاهة والوقاحة . وثانيهما أنهم كانوا يقولون فيه : * ( إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها ) * وذلك يدل على أمور : الأول : أنهم سموا ذلك إضلالاً ، وذلك يدل على أنهم كانوا مبالغين في تعظيم آلهتهم وفي استعظام صنيعه صلى الله عليه وسلم في صرفهم عنه ، وذلك يدل على أنهم كانوا يعتقدون أن هذا هو الحق ، فمن هذا الوجه يبطل قول أصحاب المعارف في أنه لا يكفر إلا من يعرف الدلائل لأنهم جهلوه ، ثم نسبهم الله تعالى إلى الكفر واضلال ، وقولهم : * ( لولا أن صبرنا عليها ) * يدل أيضاً على ذلك الثاني : يدل هذا القول منهم على جد الرسول عليه السلام واجتهاده في صرفهم عن عبادة الأوثان ، ولولا ذلك لما قالوا : * ( إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها ) * وهكذا كان عليه السلام فإنه في أول الأمر بالغ في إيراد الدلائل والجواب عن الشبهات وتحمل ما كانوا يفعلونه من أنواع السفاهة وسوء الأدب الثالث : أن هذا يدل على اعتراف القوم بأنهم لم يعترضوا البتة على دلائل الرسول صلى الله عليه وسلم وما عارضوها إلا بمحض الجحود والتقليد لأن قولهم : * ( لولا أن صبرنا عليها ) * إشارة إلى الجحود والتقليد ، ولو ذكروا اعتراضاً على دلائل الرسول عليه السلام لكان ذكر ذلك أولى من ذكر مجرد الجحود والإصرار الذي هو دأب الجهال ، وذلك يدل على أن القوم كانوا مقهورين تحت حجته عليه السلام ، وأنه ما كان في أيديهم إلا مجرد الوقاحة الرابع : الآية تدل على أن القوم صاروا في ظهور حجته عليه السلام عليهم كالمجانين لأنهم استهزؤا به أولاً ، ثم وصفوه بأنه كاد يضلنا عن آلهتنا لولا أن قابلناه بالجحود والإصرار ، فهذا الكلام الأخير يدل على أن القوم سلموا له قوة الحجة وكمال العقل والكلام الأول وهو السخرية والاستهزاء لا يليق إلا بالجاهل العاجز ، فالقوم لما جمعوا بين هذين الكلامين دل ذلك على أنهم كانوا كالمتحيرين في أمره ، فتارة بالوقاحة يستهزئون منه ، وتارة يصفونه بما لا يليق إلا بالعالم الكامل ، ثم إنه سبحانه لما حكى عنهم هذا
تفسير الرازي — صفحة 85
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٨٥