تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
القرآن مهجوراً ) * في المعنى كقول نوح عليه السلام * ( رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً * فلم يزدهم دعائي إلا فراراً ) * ( نوح : 5 ، 6 ) وكما أن المقصود من هذا إنزال العذاب فكذا ههنا فكيف يليق هذا بمن وصفه الله بالرحمة في قوله : * ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) * ( الأنبياء : 107 ) ؟ جوابه : أن نوحاً عليه السلام لما ذكر ذلك دعا عليهم ، وأما محمد عليه الصلاة والسلام فلما ذكر هذا ما دعا عليهم بل انتظر فلما قال تعالى : * ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين ) * كان ذلك كالأمر له بالصبر على ذلك وترك الدعاء عليهم فظهر الفرق . المسألة الثالثة : قوله * ( جعلنا ) * صيغة العظماء والتعظيم إذا ذكر نفسه في كل معرض من التعظيم وذكر أنه يعطي فلا بد وأن تكون تلك العطية عظيمة كقوله : * ( ولقد أتيناك سبعاً من المثاني ) * ( الحجر : 87 ) وقوله : * ( إنا أعطيناك الكوثر ) * ( الكوثر : 1 ) فكيف يليق بهذه الصيغة أن تكون تلك العطية هي العداوة التي هي منشأ الضرر في الدين والدنيا ؟ وجوابه : أن خلق العداوة سبب لازدياد المشقة التي هي موجبة لمزيد الثواب والله أعلم . المسألة الرابعة : يجوز أن يكون العدو واحداً وجمعاً كقوله : * ( فإنهم عدو لي ) * ( الشعراء : 77 ) وجاء في التفسير أن عدو الرسول صلى الله عليه وسلم أبو جهل . أما قوله : * ( وكفى بربك هادياً ونصيراً ) * فقال الزجاج الباء زائدة يعني كفى ربك وهادياً ونصيراً منصوبان على الحال هادياً إلى مصالح الدين والدنيا ، ونصيراً على الأعداء ، ونظيره * ( يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ) * . ( الأنفال : 64 ) قوله تعالى * ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ انُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً * وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً * الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً ) * . اعلم أن هذا هو الشبهة الخامسة لمنكري نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وأن أهل مكة قالوا تزعم أنك رسول من عند الله أفلا تأتينا بالقرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة جملة على موسى والإنجيل على عيسى