تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
المسألة الخامسة : من الناس من قال إن قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ) * ( النور : 27 ) فهذا يدل على أن الاستئذان واجب في كل حال ، وصار ذلك منسوخاً بهذه الآية في غير هذه الأحوال الثلاثة ، ومن الناس من قال الآية الأولى أريد بها المكلف لأنه خطاب لمن آمن ، وما ذكره الله تعالى في هذه الآية فهو فيمن ليس بمكلف فقيل فيه إن في بعض الأحوال لا يدخل إلا بإذن ، وفي بعضها بغير إذن . فلا وجه لحمل ذلك على النسخ ، لأن ما تناولته الآية الأولى من المخاطبين لم تتناوله الآية الثانية أصلاً ، فإن قيل بتقدير أن يكون قوله تعالى : * ( الذين ملكت أيمانكم ) * يدخل فيه من قد بلغ فالنسخ لازم ، قلنا لا يجب ذلك أيضاً ، لأن قوله : * ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم ) * لا يدخل إلا من يملك البيوت لحق هذه الإضافة ، وإذا صح ذلك لم يدخل تحت العبيد والإماء ، فلا يجب النسخ أيضاً على هذا القول ، فأما إن حمل الكلام على صغار المماليك فالقول فيه أبين . المسألة السادسة : قال أبو حنيفة رحمه الله : لم يصر أحد من العلماء إلى أن الأمر بالاستئذان منسوخ . وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال : ثلاث آيات من كتاب الله تركهن الناس ولا أرى أحداً يعمل بهن ، قال عطاء حفظت اثنتين ونسيت واحدة ، وقرأ هذه الآية وقوله : * ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ) * ( الحجرات : 13 ) وذكر سعيد بن جبير أن الآية الثالثة قوله : * ( وإذا حضر القسمة أولو القربى ) * ( النساء : 8 ) الآية . أما قوله تعالى : * ( ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض ) * ففيه سؤالات : السؤال الأول : أتقولون في قوله : * ( ليس عليكم ولا عليهم جناح ) * أنه يقتضي الإباحة على كل حال ؟ الجواب : قد بينا أن ذلك هو في الصغار خاصة ، فمباح لهم الدخول للخدمة بغير الإذن في غير الأوقات الثلاثة ، ومباح لنا تمكينهم من ذلك والدخول عليهم أيضاً . السؤال الثاني : فهل يقتضي ذلك إباحة كشف العورة لهم ؟ الجواب : لا وإنما أباح الله تعالى ذلك من حيث كانت العادة أن لا تكشف العورة في غير تلك الأوقات ، فمتى كشفت المرأة عورتها مع ظن دخول الخدم إليها فذلك يحرم عليها ، فإن كان الخادم ممن يتناوله التكليف فيحرم عليه الدخول أيضاً إذا ظن أن هناك كشف عورة ، فإن قيل أليس من الناس من جوز للبالغ من المماليك أن ينظر إلى شعر مولاته ؟ قلنا من جوز ذلك أخرج الشعر من أن يكون عورة لحق الملك ، كما يخرج من أن يكون عورة لحق الرحم ، إذ العورة تنقسم ففيه ما يكون عورة على كل حال . وفيه ما يختلف حاله بالإضافة فيكون عورة مع الأجنبي غير عورة غيره على ما تقدم ذكره . السؤال الثالث : أتقولون هذه الإباحة مقصورة على الخدم دون غيرهم ؟ الجواب : نعم
تفسير الرازي — صفحة 32 | فخر الدين الرازي