تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
معجزة من وجوه : أحدها : أن الأقاصيص المذكورة في القرآن موافقة لما كانت مذكورة في التوراة والإنجيل مع العلم بأنه عليه الصلاة والسلام كان أمياً ، وأنه لم يخالط أحداً من العلماء ولم يشتغل قط بالاستفادة والتعلم ، فإذن لا يكون ذلك إلا من قبل الله تعالى ، واختلفوا فقال بعضهم أراد به ما اختلفوا فيه وتباينوا ، وقال آخرون أراد به ما حرفه بعضهم ، وقال بعضهم بل أراد به أخبار الأنبياء ، والأول أقرب وثانيها : قوله : * ( وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين ) * وذلك لأن بعض الناس قال إنا لما تأملنا القرآن فوجدنا فيه من الدلائل العقلية على التوحيد والحشر والنبوة ، وشرح صفات الله تعالى وبيان نعوت جلاله ما لم نجده في شيء من الكتب ، ووجدنا ما فيه من الشرائع مطابقة للعقول موافقة لها ، وجدناه مبرأ عن التناقض والتهافت ، فكان هدى ورحمة من هذه الجهات ووجدنا القوى البشرية قاصرة على جمع كتاب على هذا الوجه ، فعلمنا أنه ليس إلا من عند الله تعالى ، فكان القرآن معجزاً من هذه الجهة وثالثها : أنه هدى ورحمة للمؤمنين ، لبلوغه في الفصاحة إلى حيث عجزوا عن معارضته وذلك معجز ، ثم إنه تعالى لما بين كونه معجزاً دالاً على الرسالة ذكر بعده أمرين : الأول : قوله : * ( إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم ) * والمراد أن القرآن وإن كان يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون ، لكن لا تكن أنت في قيدهم ، فإن ربك هو الذي يقضي بينهم ، أي بين المصيب والمخطئ منهم ، وذلك كالزجر للكفار فلذلك قال : * ( وهو العزيز ) * أي القادر الذي لا يمنع العليم بما يحكم فلا يكون إلا الحق ، فإن قيل القضاء والحكم شيء واحد فقوله : * ( يقضي بحكمه ) * كقوله يقضي بقضائه ويحكم بحكمه والجواب : معنى قوله : * ( بحكمه ) * أي بما يحكم به وهو عدله ، لأنه لا يقضي إلا بالعدل ، أو أراد بحكمه ، ويدل عليه قراءة من قرأ ( بحكمه ) جمع حكمة الثاني : أنه تعالى أمره بعد ظهور حجة رسالته بأن يتوكل على الله ، ولا يلتفت إلى أعداء الله ، ويشرع في تمشية مهمات الرسالة بقلب قوي ، فقال * ( فتوكل على الله ) * ثم علل ذلك بأمرين : أحدهما : قوله : * ( إنك على الحق المبين ) * وفيه بيان أن المحق حقيق بنصرة الله تعالى وأنه لا يخذل وثانيهما : قوله : * ( إنك لا تسمع الموتى ) * وإنما حسن جعله سبباً للأمر بالتوكل ، وذلك لأن الإنسان ما دام يطمع في أحد أن يأخذ منه شيئاً فإنه لا يقوى قلبه على إظهار مخالفته ، فإذا قطع طمعه عنه قوي قلبه على إظهار مخالفته ، فالله سبحانه وتعالى قطع محمداً صلى الله عليه وسلم عنهم بأن بين له أنهم كالموتى وكالصم وكالعمى فلا يفهمون ولا يسمعون ولا يبصرون ولا يلتفتون إلى شيء من الدلائل ، وهذا سبب لقوة قلبه عليه الصلاة والسلام على إظهار الدين كما ينبغي ، فإن قيل ما معنى قوله : * ( إذا ولوا مدبرين ) * جوابه : هو تأكيد لحال الأصم ، لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن تولى عنه مدبراً كان أبعد عن إدراك صوته . أما قوله تعالى : * ( إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا ) * فالمعنى ما يجدي إسماعك إلا الذين علم الله أنهم يؤمنون بآياته ، أي يصدقون بها فهم مسلمون ، أي مخلصون من قوله : * ( بلى من أسلم وجهه لله ) * ( البقرة : 112 )