تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
قبلنا ، ولم يظهر له أثر فهو إذن من أساطير الأولين يريدون ما لا يصح من الأخبار ، فإن قيل ذكر ههنا * ( لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا ) * وفي آية أخرى : * ( لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا ) * ( المؤمنون : 83 ) فما الفرق ؟ قلنا التقديم دليل على أن المقدم هو المقصود الأصلي وأن الكلام سيق لأجله ، ثم إنه سبحانه لما كان قد بين الدلالة على هذين الأصلين ، ومن الظاهر أن كل من أحاط بهما فقد عرف صحة الحشر والنشر ثبت أنهم أعرضوا عنها ولم يتأملوها ، وكان سبب ذلك الإعراض حب الدنيا وحب الرياسة والجاه وعدم الانقياد للغير ، لا جرم اقتصر على بيان أن الدنيا فانية زائلة فقال : * ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ) * وفيه سؤالان : السؤال الأول : لم لم يقل : كيف كانت عاقبة المجرمين ؟ جوابه : لأن تأنيثها غير حقيقي ولأن المعنى كيف كان آخر أمرهم . السؤال الثاني : لم لم يقل عاقبة الكافرين ؟ جوابه : الغرض أن يحصل التخويف لكل العصاة ثم إنه تعالى صبر رسوله على ما يناله من هؤلاء الكفار فقال : * ( ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون ) * فجمع بين إزالة الغم عنه بكفرهم وبين إزالة الخوف من جانبهم ، وصار ذلك كالتكفل بنصرته عليهم وقوله : * ( ولا تكن في ضيق ) * أي في حرج قلب يقال ضاق الشيء ضيقاً وضيقاً بالفتح والكسر والضيق تخفيف الضيق ، ويجوز أن يراد في أمر ضيق من مكرهم الوجه الثاني : للكفار قولهم : * ( متى هذا الوعد ) * وقوله : * ( إن كنتم صادقين ) * دل على أنهم ذكروا ذلك على سبيل السخرية فأجاب الله تعالى بقوله : * ( عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون ) * وهو عذاب يوم بدر ، فزيدت اللام للتأكيد كالباء في * ( ولا تلقوا بأيديكم ) * ( البقرة : 195 ) أو ضمن معنى فعل يتعدى باللام نحو دنا لكم وأزف لكم ، ومعناه تبعكم ولحقكم ، وقرأ الأعرج * ( ردف لكم ) * بوزن ذهب وهما لغتان ، والكسر أفصح ، وههنا بحثان : البحث الأول : أن عسى ولعل في وعد الملوك ووعيدهم يدلان على صدق الأمر ، وإنما يعنون بذلك إظهار وقارهم ، وأنهم لا يعجلون بالانتقام لوثوقهم بأن عدوهم لا يفوتهم ، فعلى ذلك جرى وعد الله ووعيده . الثاني : أنه قد ثبت بالدلائل العقلية أن عذاب الحجاب أشد من عذاب النار ، ولذلك قال : * ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون * ثم إنه لصالوا الجحيم ) * ( المطففين : 15 ، 16 ) فقدم الحجاب على الجحيم ، ثم إنهم كانوا محجوبين في الحال ، فكان سبب العذاب بكماله حاصلاً ، إلا أن الاشتغال بالدنيا ولذاتها كالعائق عن إدراك ذلك الألم ، كما أن العضو الخدر إذا مسته النار ، فإن سبب الألم حاصل في الحال ، لكنه لا يحصل الشعور بذلك الألم لقيام العائق ، فإذا زال العائق عظم البلاء ، فكذا ههنا إذا زال البدن عظم عذاب الحجاب ، فقوله سبحانه : * ( عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون ) * يعني المقتضي له والمؤثر فيه حاصل ، وتمامه إنما يحصل بعد الموت ، ثم إنه سبحانه بين