تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
توليتهم أنواع الفساد فنهوا عن ذلك ورابعها : قوله تعالى : * ( واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين ) * وقرئ ( الجبلة ) بوزن الأبلة وقرئ ( الجبلة ) بوزن الخلقة ومعناهن واحد أي ذوي الجبلة ، والمراد أنه المتفضل بخلقهم وخلق من تقدمهم ممن لولا خلقهم لما كانوا مخلوقين ، فلم يكن للقوم جواب إلا ما لو تركوه لكان أولى بهم وهو من وجهين : الأول : قولهم : * ( إنما أنت من المسحرين ) * * ( ما أنت إلا بشر مثلنا ) * فإن قيل : هل اختلف المعنى بإدخال الواو ههنا وتركها في قصة ثمود ؟ جوابه : إذا دخلت الواو فقد قصد معنيان كلاهما مناف للرسالة عندهم السحر والبشرية وإذا تركت الواو فلم يقصدوا إلا معنى واحداً وهو كونه مسحراً ثم قرره بكونه بشراً مثلهم الثاني : قولهم : * ( وإن نظنك لمن الكاذبين ) * ومعناه ظاهر ، ثم إن شعيباً عليه السلام كان يتوعدهم بالعذاب إن استمروا على التكذيب فقالوا : * ( فأسقط علينا كسفاً من السماء ) * قرىء * ( كسفاً ) * بالسكون والحركة وكلاهما جمع كسفة وهي القطعة والسماء السحاب أو الظلة ، وهم إنما طلبوا ذلك لاستبعادهم وقوعه فظنوا أنه إذا لم يقع ظهر كذبه فعنده قال شعيب عليه السلام : * ( ربي أعلم بما تعملون ) * فلم يدع عليهم بل فوض الأمر فيه إلى الله تعالى فلما استمروا على التكذيب أنزل الله عليهم العذاب على ما اقترحوا من عذاب يوم الظلة إن أرادوا بالسماء السحاب ، وإن أرادوا الظلة فقد خالف بهم عن مقترحهم يروى أنه حبس عنهم الريح سبعاً وسلط عليهم الرمل فأخذ بأنفاسهم ، لا ينفعهم ظل ولا ماء فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية فأظلتهم سحابة وجدوا لها برداً ونسيماً فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم ناراً فاحترقوا ، وروي أن شعيباً بعث إلى أمتين أصحاب مدين وأصحاب الأيكة فأهلكت مدين بصيحة جبريل عليه السلام وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة ، وههنا آخر الكلام في هذه القصص السبع التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم فيما ناله من الغم الشديد ، بقي ههنا سؤالان : السؤال الأول : لم لا يجوز أن يقال : إن العذاب النازل بعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ما كان ذلك بسبب كفرهم وعنادهم ، بل كان ذلك بسبب قرانات الكواكب واتصالاتها على ما اتفق عليه أهل النجوم ؟ وإذا قام هذا الاحتمال لم يحصل الاعتبار بهذه القصص ، لأن الاعتبار إنما يحصل أن لو علمنا أن نزول هذا العذاب كان بسبب كفرهم وعنادهم . الثاني : أن الله تعالى قد ينزل العذاب محنة للمكلفين وابتلاء لهم على ما قال : * ( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ) * ( محمد : 31 ) ولأنه تعالى قد ابتلى المؤمنين بالبلاء العظيم في مواضع كثيرة وإذا كان كذلك لم يدل نزول البلاء بهم على كونهم مبطلين والجواب : أن الله تعالى أنزل هذه القصص على محمد صلى الله عليه وسلم تسلية وإزالة للحزن عن قلبه ، فلما أخبر الله تعالى محمداً أنه هو الذي أنزل العذاب عليهم ، وأنه إنما أنزله عليهم جزاء على كفرهم ، على محمد صلى الله عليه وسلم أن الأمر كذلك ، فحينئذ يحصل به التسلية والفرح له عليه السلام ، واحتج بعض الناس على القدح في علم الأحكام