تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ * وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ * فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ نَادِمِينَ * فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) * . اعلم أن صالحاً عليه السلام خاطب قومه بأمور : أحدها : قوله : * ( أتتركون فيما ههنا آمنين ) * أي أتظنون أنكم تتركون في دياركم آمنين وتطمعون في ذلك وأن لا دار للمجازاة . وقوله : * ( فيما ههنا آمنين ) * في الذي استقر في هذا المكان من النعيم ، ثم فسره بقوله : * ( في جنات وعيون ) * وهذا أيضاً إجمال ثم تفصيل ، فإن قيل : لم قال * ( ونخل ) * بعد قوله : * ( في جنات ) * والجنة تتناول النخل جوابه من وجهين : الأول : أنه خص النخل بإفراده بعد دخوله في جملة سائر الشجر تنبيهاً على فضله على سائر الأشجار والثاني : أن يراد بالجنات غيرها من الشجر ، لأن اللفظ يصلح لذلك ، ثم يعطف عليها النخل ، والطلع هو الذي يطلع من النخلة كنصل السيف في جوفه شماريخ ، والهضيم اللطيف أيضاً من قولهم : كشح هضيم ، وقيل الهضيم اللين النضيج كأنه قال : ونخل قد أرطب ثمره وثانيها : قوله تعالى : * ( وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين ) * قرأ الحسن * ( وتنحتون ) * بفتح الحاء ، وقرئ * ( فرهين ) * و * ( فارهين ) * والفراهة الكيس والنشاط ، فقوله : * ( فارهين ) * حال من الناحيتين . واعلم أن ظاهر هذه الآيات يدل على أن الغالب على قوم هود هو اللذات الحالية ، وهي طلب الاستعلاء والبقاء والتفرد والتجبر ، والغالب على قوم صالح هو اللذات الحسية ، وهي طلب المأكول والمشروب والمساكن الطيبة الحصينة وثالثها : قوله تعالى : * ( ولا تطيعوا أمر المسرفين ) * وهذا إشارة إلى أنه يجب الاكتفاء من الدنيا بقدر الكفاف ، ولا يجوز التوسع في طلبها والاستكثار من لذاتها وشهواتها ، فإن قيل ما فائدة قوله : * ( ولا يصلحون ) * جوابه : فائدته بيان أن فسادهم فساد خالص ليس معه شيء من الصلاح ، كما يكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح ، ثم إن القوم أجابوه من وجهين : أحدهما : قولهم : * ( إنما أنت من المسحرين ) * وفيه وجوه : أحدها : المسحر هو الذي سحر كثيراً حتى غلب على عقله وثانيها : * ( من المسحرين ) * أي من له
تفسير الرازي — صفحة 159 | فخر الدين الرازي