تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
وهم الذين آمنوا وكانوا من قوم موسى ، ولا شبهة أن في الكلام حذفاً وهو أنه أسرى بهم كما أمره الله تعالى ، ثم إن قوم موسى عليه السلام قالوا لقوم فرعون إن لنا في هذه الليلة عيداً ، ثم استعاروا منهم حليهم وحللهم بهذا السبب ، ثم خرجوا بتلك الأموال في الليل إلى جانب البحر ، فلما سمع ذلك فرعون أرسل في المدائن حاشرين ، ثم إنه قوى نفسه ونفس أصحابه بأن وصف قوم موسى بوصفين من أوصاف الذم ، ووصف قوم نفسه بصفة المدح أما وصف قوم موسى عليه السلام بالذم . فالصفة الأولى : قوله : * ( إن هؤلاء لشرذمة قليلون ) * والشرذمة الطائفة القليلة ، ومنه قولهم ثوب شراذم للذي بلي ، وتقطع قطعاً ذكرهم بالاسم الدال على القلة ، ثم جعلهم قليلاً بالوصف ، ثم جمع القليل فجعل كل حزب منهم قليلاً واختار جمع السلامة الذي هو للقلة ( وقد يجمع القليل على أقلة وقلل ) ، ويجوز أن يريد بالقلة الذلة ( والقماءة ) لا قلة العدد ، والمعنى أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع غلبتهم وعلوهم ، ثم اختلف المفسرون في عدد تلك الشرذمة ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما : كانوا ستمائة ألف مقاتل لا شاب فيهم دون عشرين سنة ، ولا شيخ يوفي على الستين سوى الحشم ، وفرعون يقللهم لكثرة من معه ، وهذا الوصف قد يستعمل في الكثير عند الإضافة إلى ما هو أكثر منه ، فروي أن فرعون خرج على فرس أدهم حصان وفي عسكره على لون فرسه ثلاثمائة ألف . الصفة الثانية : قوله : * ( وإنهم لنا لغائظون ) * يعني يفعلون أفعالاً تغيظنا وتضيق صدورنا ، واختلفوا في تلك الأفعال على وجوه : أحدها : ما تقدم من أمر الحلي وغيره وثانيها : خروج بني إسرائيل عن عبودية فرعون واستقلالهم بأنفسهم وثالثها : مخالفتهم لهم في الدين وخروجهم عليهم ورابعها : ليس إلا أنهم لم يتخذوا فرعون إلهاً . أما الذي وصف فرعون به قومه فهو قوله : * ( وإنا لجميع حذرون ) * وفيه ثلاث قراءات ( حذرون ) و ( حاذرون ) و ( حادرون ) بالدال غير المعجمة . واعلم أن الصفة إذا كانت جارية على الفعل وهي اسم الفاعل واسم المفعول كالضارب والمضروب أفادت الحدوث ، وإذا لم تكن كذلك وهي الشبهة أفادت الثبوت ، فمن قرأ * ( حذرون ) * ذهب إلى إنا قوم من عادتنا الحذر واستعمال الحزم ، ومن قرأ * ( حاذرون ) * فكأنه ذهب إلى معنى إنا قوم ما عهدنا أن نحذر إلا عصرنا هذا . وأما من قرأ * ( حادرون ) * بالدال غير المعجمة فكأنه ذهب إلى نفي الحذر أصلاً ، لأن الحادر هو المشمر ، فأراد إنا قوم أقوياء أشداء ، أو أراد إنا مدججون في السلاح ، والغرض من هذه المعاذير أن لا يتوهم أهل المدائن أنه منكسر من قوم موسى أو خائف منهم . أما قوله تعالى : * ( فأخرجناهم ) * فالمراد إنا جعلنا في قلوبهم داعية الخروج فاستوجبت الداعية الفعل ، فكان الفعل مضافاً إلى الله تعالى لا محالة . وأما قوله : * ( من جنات وعيون وكنوز ) * فقال مجاهد : سماها كنوزاً ، لأنهم لم ينفقوا منها في