تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
فصارت ثعباناً ، ثم إن موسى عليه السلام لما أتى بهذه الآية قال له فرعون هل غيرها ؟ قال نعم فأراه يده ثم أدخلها جيبه ثم أخرجها فإذا هي بيضاء يضيء الوادي من شدة بياضها من غير برص لها شعاع كشعاع الشمس ، فعند هذا أراد فرعون تعمية هذه الحجة على قومه فذكر فيها أموراً ثلاثة : أحدها : قوله : * ( إن هذا لساحر عليم ) * وذلك لأن الزمان كان زمان السحرة وكان عند كثير منهم أن الساحر قد يجوز أن ينتهي بسحره إلى هذا الحد فلهذا روج عليهم هذا القول وثانيها : قوله : * ( يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره ) * وهذا يجري مجرى التنفير عنه لئلا يقبلوا قوله ، والمعنى يريد أن يخرجكم من أرضكم بما يلقيه بينكم من العداوات فيفرق جمعكم ، ومعلوم أن مفارقة الوطن أصعب الأمور فنفرهم عنه بذلك ، وهذا نهاية ما يفعله المبطل في التنفير عن المحق وثالثها : قوله لهم : * ( فماذا تأمرون ) * أي فما رأيكم فيه وما الذي أعمله ، يظهر من نفسه أني متبع لرأيكم ومنقاد لقولكم ، ومثل هذا الكلام يوجب جذب القلوب وانصرافها عن العدو فعند هذه الكلمات اتفقوا على جواب واحد وهو قوله : * ( أرجه ) * قرىء ( أرجئه ) و ( أرجه ) بالهمز والتخفيف ، وهما لغتان يقال : أرجأته وأرجيته إذا أخرته ، والمعنى أخره ومناظرته لوقت اجتماع السحرة ، وقيل احبسه وذلك محتمل ، لأنك إذا حبست الرجل عن حاجته فقد أخرته . روي أن فرعون أراد قتله ولم يكن يصل إليه ، فقالوا له لا تفعل ، فإنك إن قتلته أدخلت على الناس في أمره شبهة ، ولكن أرجئه وأخاه إلى أن تحشر السحرة ليقاوموه فلا يثبت له عليك حجة ، ثم أشاروا عليه بإنفاذ حاشرين يجمعون السحرة ، ظناً منهم بأنهم إذا كثروا غلبوه وكشفوا حاله وعارضوا قوله : * ( إن هذا لساحر عليم ) * بقولهم : * ( بكل سحار عليم ) * فجاءوا بكلمة الإحاطة وبصيغة المبالغة ليطيبوا قلبه وليسكنوا بعض قلقه ، قال صاحب " الكشاف " فإن قلت : قوله تعالى : * ( قال للملأ حوله ) * ما العامل في ( حوله ) ؟ قلت : هو منصوب نصبين نصب في اللفظ ونصب في المحل والعامل في النصب اللفظي ما يقدر في الظرف ، والعامل في النصب المحلي هو النصب على الحال . قوله تعالى * ( فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ * وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ الْغَالِبِينَ * فَلَمَّا جَآءَ السَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لاََجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) * . وفيه مسألتان :
تفسير الرازي — صفحة 132 | فخر الدين الرازي