في رد آيات الله تعالى * ( فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون ) * وذلك إما عند نزول العذاب عليهم في الدنيا أو عند المعاينة أو في الآخرة ، فهو كقوله تعالى : * ( ولتعلمن نبأه بعد حين ) * وقد جرت العادة فيمن يسيء أن يقال له سترى حالك من بعد على وجه الوعيد ، ثم إنه تعالى بين أنه مع إنزاله القرآن حالاً بعد حال قد أظهر أدلة تحدث حالاً بعد حال فقال : * ( أو لم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم ) * والزوج هو الصنف ( من النبات ) والكريم صفة لكل ما يرضى ويحمد في بابه ، يقال وجه كريم إذا كان مرضياً في حسنه وجماله . وكتاب كريم إذا كان مرضياً في فوائده ومعانيه ، والنبات الكريم هو المرضي فيما يتعلق به من المنافع ، وفي وصف الزوج بالكريم وجهان : أحدهما : أن النبات على نوعين نافع وضار ، فذكر سبحانه كثرة ما أنبت في الأرض من جميع أصناف النبات النافع وترك ذكر الضار والثاني : أنه عم جميع النبات نافعه وضاره ووصفهما جميعاً بالكرم ، ونبه على أنه ما أنبت شيئاً إلا وفيه فائدة وإن غفل عنها الغافلون .
أما قوله : * ( إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ) * فهو كقوله : * ( هدى للمتقين ) * ( البقرة : 2 ) والمعنى أن في ذلك دلالة لمن يتفكر ويتدبر وما كان أكثرهم مؤمنين أي مع كل ذلك يستمر أكثرهم على كفرهم ، فأما قوله : * ( وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) * فإنما قدم ذكر العزيز على ذكر الرحيم لأنه لو لم يقدمه لكان ربما قيل إنه رحمهم لعجزه عن عقوبتهم ، فأزال هذا الوهم بذكر العزيز وهو الغالب القاهر ، ومع ذلك فإنه رحيم بعباده ، فإن الرحمة إذا كانت عن القدرة الكاملة كانت أعظم وقعاً . والمراد أنهم مع كفرهم وقدرة الله على أن يعجل عقابهم لا يترك رحمتهم بما تقدم ذكره من خلق كل زوج كريم من النبات ، ثم من إعطاء الصحة والعقل والهداية .
المسألة الثانية : أنه تعالى وصف الكفار بالإعراض أولاً وبالتكذيب ثانياً وبالاستهزاء ثالثاً وهذه درجات من أخذ يترقى في الشقاوة ، فإنه يعرض أولاً ثم يصرح بالتكذيب والإنكار إلى حيث يستهزئ به ثالثاً .
المسألة الثالثة : فإن قلت ما معنى الجمع بين كم وكل ، ولم لم يقل كم أنبتنا فيها من زوج كريم ؟ قلت : قد دل كل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل وكم على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة ، فهذا معنى الجمع ( رتبه ) على كمال قدرته ، فإن قلت : فحين ذكر الأزواج ودل عليها بكلمتي الكثرة والإحاطة وكانت بحيث لا يحصيها إلا عالم الغيب فكيف قال : * ( إن في ذلك لآية ) * وهلا قال لآيات ؟ قلت فيه وجهان : أحدهما : أن يكون ذلك مشاراً به إلى مصدر أنبتنا ، فكأنه قال إن في ذلك الإنبات لآية أي آية والثاني : أن يراد أن في كل واحد من تلك الأزواج لآية .
المسألة الرابعة : احتجت المعتزلة على خلق القرآن بقوله تعالى : * ( وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث ) * فقالوا الذكر هو القرآن لقوله تعالى : * ( وهذا ذكر مبارك ) * ( الأنبياء : 50 ) وبين في هذه الآية أن الذكر محدث فيلزم من هاتين الآيتين أن القرآن محدث ، وهذا الاستدلال بقوله تعالى : * ( الله نزل
تفسير الرازي — صفحة 120
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٢٠