تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
تَتَّقُونَ * فَقَالَ الْمَلَؤُا الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لاََنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِى ءَابَآئِنَا الاَْوَّلِينَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّى حِينٍ ) * . قال قوم : إن نوحاً كان اسمه يشكر ، ثم سمي نوحاً لوجوه : أحدها : لكثرة ما ناح على نفسه حين دعا على قومه بالهلاك ، فأهلكهم بالطوفان فندم على ذلك وثانيها : لمراجعة ربه في شأن ابنه وثالثها : أنه مر بكلب مجذوم ، فقال له إخساً يا قبيح ، فعوتب على ذلك ، فقال الله له : أعبتني إذ خلقته ، أم عبت الكلب . وهذه الوجوه مشكلة لما ثبت أن الأعلام لا تفيد صفة في المسمى . أما قوله : * ( اعبدوا الله ) * فالمعنى أنه سبحانه أرسله بالدعاء إلى عبادة الله تعالى وحده ، ولا يجوز أن يدعوهم إلى ذلك إلا وقد دعاهم إلى معرفته أولاً ، لأن عبادة من لا يكون معلوماً غير جائزة وإنما يجوز ويجب بعد المعرفة . أما قوله : * ( ما لكم من إله غيره ) * فالمراد أن عبادة غير الله لا تجوز إذ لا إله سواه . ومن حق العبادة أن تحسن لمن أنعم بالخلق والإحياء وما بعدهما ، فإذا لم يصح ذلك إلا منه تعالى فكيف يعبد ما لا يضر ولا ينفع ؟ وقرئ غيره بالرفع على المحل وبالجر على اللفظ ، ثم إنه لما لم ينفع فيهم هذا الدعاء واستمروا على عبادة غير الله تعالى حذرهم بقوله : * ( أفلا تتقون ) * لأن ذلك زجر ووعيد باتقاء العقوبة لينصرفوا عما هم عليه . ثم إنه سبحانه حكى عنهم شبههم في إنكار نبوة نوح عليه السلام . الشبهة الأولى : قولهم : * ( ما هذا إلا بشر مثلكم ) * وهذه الشبهة تحتمل وجهين : أحدهما : أن يقال إنه لما كان مساوياً لسائر الناس في القوة والفهم والعلم والغنى والفقر والصحة والمرض امتنع كونه رسولاً لله ، لأن الرسول لا بد وأن يكون عظيماً عند الله تعالى وحبيباً له ، والحبيب لا بد وأن يختص عن غير الحبيب بمزيد الدرجة والمعزة ، فلما فقدت هذه الأشياء علمنا انتفاء الرسالة والثاني : أن يقال هذا الإنسان مشارك لكم في جميع الأمور ، ولكنه أحب الرياسة والمتبوعية فلم يجد إليهما سبيلاً إلا بادعاء النبوة ، فصار ذلك شبهة لهم في القدح في نبوته ، فهذا الاحتمال متأكد بقوله تعالى خبراً عنهم * ( يريد أن يتفضل عليكم ) * أي يريد أن يطلب الفضل عليكم ويرأسكم كقوله تعالى : * ( وتكون لكما الكبرياء في الأرض ) * . الشبهة الثانية : قولهم : * ( ولو شاء الله لأنزل ملائكة ) * وشرحه أن الله تعالى لو شاء إرشاد البشر لوجب أن يسلك الطريق الذي يكون أشد إفضاء إلى المقصود ، ومعلوم أن بعثة الملائكة أشد