أما قوله : * ( فإذا جاء أمرنا ) * فاعلم أن لفظ الأمر كما هو حقيقة في طلب الفعل بالقول على سبيل الاستعلاء ، فكذا هو حقيقة في الشأن العظيم ، والدليل عليه أنك إذا قلت هذا أمر بقي الذهن يتردد بين المفهومين وذلك يدل على كونه حقيقة فيهما وتمام تقريره مذكور في كتاب المحصول في الأصول ، ومن الناس من قال : إنما سماه أمراً على سبيل التعظيم والتفخيم ، مثل قوله : * ( ثم قال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً ) * .
أما قوله : * ( وفار التنور ) * فاختلفوا في التنور ، فالأكثرون على أنه هو التنور المعروف . روي أنه قيل لنوح إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت ومن معك في السفينة ، فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته فركب ، وقيل كان تنور آدم وكان من حجارة فصار إلى نوح ، واختلف في مكانه ، فعن الشعبي في مسجد الكوفة عن يمين الداخل مما يلي باب كندة ، وكان نوح عليه السلام عمل السفينة في وسط المسجد ، وقيل بالشام بموضع يقال له عين وردة وقيل بالهند القول الثاني : أن التنور وجه الأرض عن ابن عباس رضي الله عنهما الثالث : أنه أشرف موضع في الأرض أي أعلاه عن قتادة والرابع : * ( وفار التنور ) * أي طلع للفجر عن علي عليه السلام ، وقيل إن فوران التنور كان عند طلوع الفجر والخامس : هو مثل قولهم حمى الوطيس والسادس : أنه الموضع المنخفض من السفينة الذي يسيل الماء إليه عن الحسن رحمه الله والقول الأول هو الصواب لأن العدول عن الحقيقة إلى المجاز من غير دليل لا يجوز ، واعلم أن الله تعالى جعل فوران التنور علامة لنوح عليه السلام حتى يركب عنده السفينة طلباً لنجاته ونجاة من آمن به من قومه .
أما قوله : * ( فاسلك فيها ) * أي أدخل فيها يقال سلك فيه أي دخل فيه وسلك غيره وأسلكه * ( من كل زوجين اثنين ) * أي من كل زوجين من الحيوان الذي يحضره في الوقت اثنين الذكر والأنثى لكي لا ينقطع نسل ذلك الحيوان ، وكل واحد منهما زوج لا كما تقوله العامة من أن الزوج هو الاثنان ، روي أنه لم يحمل إلا ما يلد ويبيض ، وقرئ من كل بالتنوين ، أي من كل أمة زوجين ، واثنين تأكيد وزيادة بيان .
أما قوله : * ( وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ) * أي وأدخل أهلك ولفظ على إنما يستعمل في المضار . قال تعالى : * ( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) * ( البقرة : 286 ) واعلم أن هذه الآية تدل على أمرين أحدهما : أنه سبحانه أمره بإدخال سائر من آمن به وإن لم يكن من أهله ، وقيل المراد بأهله من آمن دون من يتصل به نسباً أو سبباً وهذا ضعيف . وإلا لما جاز استثناء قوله : * ( إلا من سبق عليه القول ) * والثاني : أنه قال : * ( ولا تخاطبني في الذين ظلموا ) * يعني كنعان فإنه سبحانه لما أخبر بإهلاكهم وجب أن ينهاه عن أن يسأله في بعضهم لأنه إن أجابه إليه ، فقد صير خبره الصدق كذباً ، وإن لم يجبه إليه كان ذلك تحقيراً لشأن نوح عليه السلام فلذلك قال : * ( إنهم مغرقون ) * أي الغرق نازل بهم لا محالة .
تفسير الرازي — صفحة 94
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٩٤