تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
أما قوله : * ( فأسكناه في الأرض ) * قيل معناه جعلناه ثابتاً في الأرض ، قال ابن عباس رضي الله عنهما أنزل الله تعالى من الجنة خمسة أنهار سيحون وجيحون ودجلة والفرات والنيل ، ثم يرفعها عند خروج يأجوج ومأجوج ويرفع أيضاً القرآن . أما قوله : * ( وإنا على ذهاب به لقادرون ) * أي كما قدرنا على إنزاله فكذلك نقدر على رفعه وإزالته ، قال صاحب " الكشاف " وقوله : * ( على ذهاب به ) * من أوقع النكرات وأخرها للفصل . والمعنى على وجه من وجوه الذهاب به وطريق من طرقه . وفيه إيذان بكمال اقتدار المذهب وأنه لا يعسر عليه شيء وهو أبلغ في الإيعاد من قوله : * ( قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماء معين ) * ( الملك : 30 ) ثم إنه سبحانه لما نبه على عظيم نعمته بخلق الماء ذكر بعده النعم الحاصلة من الماء فقال : * ( فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب ) * وإنما ذكر تعالى النخيل والأعناب لكثرة منافعهما فإنهما يقومان مقام الطعام ومقام الأدام ومقام الفواكه رطباً ويابساً وقوله : * ( لكم فيها فواكه كثيرة ) * أي في الجنات ، فكما أن فيها النخيل والأعناب ففيها الفواكه الكثيرة وقوله : * ( ومنها تأكلون ) * قال صاحب " الكشاف " يجوز أن يكون هذا من قولهم فلان يأكل من حرفة يحترفها ومن صنعة يعملها يعنون أنها طعمته وجهته التي منها يحصل رزقه ، كأنه قال وهذه الجنات وجوه أرزاقكم ومعايشكم منها تتعيشون . أما قوله تعالى : * ( وشجرة تخرج من طور سيناء ) * فهو عطف على جنات وقرئت مرفوعة على الابتداء أي ومما أنشأنا لكم شجرة ، قال صاحب " الكشاف " طور سيناء وطور سينين لا يخلو إما أن يضاف فيه الطور إلى بقعة اسمها سيناء وسينون ، وإما أن يكون اسماً للجبل مركباً من مضاف ومضاف إليه كامرئ القيس وبعلبك فيمن أضاف ، فمن كسر سين سيناء فقد منع الصرف للتعريف والعجمة أو التأنيث لأنها بقعة وفعلاء لا يكون ألفه للتأنيث كعلباء وحرباء ، ومن فتح لم يصرفه لأن ألفه للتأنيث كصحراء ، وقيل هو جبل فلسطين وقيل بين مصر وأيلة ، ومنه نودي موسى عليه السلام وقرأ الأعمش سينا على القصر . أما قوله تعالى : * ( تنبت بالدهن ) * فهو في موضع الحل أي تنبت وفيها الدهن ، كما يقال ركب الأمير بجنده ، أي ومعه الجند وقرئ تنبت وفيه وجهان : أحدهما : أن أنبت بمعنى نبت قال زهير : فرأيت ذوي لحاجات حول بيوتهم * قطيناً لهم حتى إذا أنبت البقل والثاني : أن مفعوله محذوف ، أي تنبت زيتونها وفيه الزيت ، قال المفسرون : وإنما أضافها الله تعالى إلى هذا الجبل لأن منها تشعبت في البلاد وانتشرت ولأن معظمها هناك . أما قوله :
تفسير الرازي — صفحة 89 | فخر الدين الرازي