تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
وفي الأخرى معصية ، قالوا وما ذاك إلا القصد والإرادة ، والمراد من القصد إيقاع تلك الأفعال لداعية الامتثال ، وهذه الداعية لا يمكن حصولها إلا عند الحضور ، فلهذا اتفقوا على أنه لا بد من الحضور ، أما الفقهاء فقد ذكر الفقيه أبو الليث رحمه الله في تنبيه الغافلين : أن تمام القراءة أن يقرأ بغير لحن وأن يقرأ بالتفكر . وأما الغزالي رحمه الله فإنه نقل عن أبي طالب المكي عن بشر الحافي أنه قال : من لم يخشع فسدت صلاته . وعن الحسن رحمه الله : كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع . وعن معاذ بن جبل : من عرف من على يمينه وشماله متعمداً وهو في الصلاة فلا صلاة له . وروي أيضاً مسنداً قال عليه السلام : " إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له سدسها ولا عشرها ، وإنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها " . وقال عبد الواحد بن زيد : أجمعت العلماء على أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل ، وادعى فيه الإجماع إذا ثبت هذا فنقول هب أن الفقهاء بأسرهم حكموا بالجواز ، أليس الأصوليون وأهل الورع ضيقوا الأمر فيها ، فهلا أخذت بالاحتياط فإن بعض العلماء اختار الإمامة ، فقيل له في ذلك فقال : أخاف إن تركت الفاتحة أن يعاتبني الشافعي ، وإن قرأتها مع الإمام أن يعاتبني أبو حنيفة ، فاخترت الإمامة طلباً للخلاص عن هذا الاختلاف والله أعلم . الصفة الثالثة : قوله تعالى : * ( والذين هم عن اللغو معرضون ) * وفي اللغو أقوال : أحدها : أنه يدخل فيه كل ما كان حراماً أو مكروهاً أو كان مباحاً ، ولكن لا يكون بالمرء إليه ضرورة وحاجة وثانيها : أنه عبارة عن كل ما كان حراماً فقط ، وهذا التفسير أخص من الأول وثالثها : أنه عبارة عن المعصية في القول والكلام خاصة ، وهذا أخص من الثاني ورابعها : أنه المباح الذي لا حاجة إليه ، واحتج هذا القائل بقوله تعالى : * ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) * ( المائدة : 89 ) فكيف يحمل ذلك على المعاصي التي لا بد فيها من المؤاخذة ، واحتج الأولون بأن اللغو إنما سمي لغواً بما أنه يلغي وكل ما يقتضي الدين إلغاءه كان أولى باسم اللغو ، فوجب أن يكون كل حرام لغواً ، ثم اللغو قد يكون كفراً لقوله : * ( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ) * ( فصلت : 26 ) وقد يكون كذباً لقوله : * ( لا تسمع فيها لاغية ) * ( الغاشية : 11 ) وقوله : * ( لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً ) * ( الواقعة : 25 ) ثم إنه سبحانه وتعالى مدحهم بأنهم يعرضون عن هذا اللغو والإعراض عنه ، هو بأن لا يفعله ولا يرضى به ولا يخالط من يأتيه ، وعلى هذا الوجه قال تعالى : * ( وإذا مروا باللغو مروا كراماً ) * ( الفرقان : 72 ) واعلم أنه سبحانه وتعالى لما وصفهم بالخشوع في الصلاة أتبعه الوصف بالإعراض عن اللغو ، ليجمع لهم الفعل والترك الشاقين على الأنفس الذين هما قاعدتا بناء التكليف وهو أعلم . الصفة الرابعة : قوله تعالى : * ( والذين هم للزكاة فاعلون ) * وفي الزكاة قولان : أحدهما : قول أبي مسلم : أن فعل الزكاة يقع على كل فعل محمود مرضي ، كقوله : * ( قد أفلح من تزكى ) * ( الأعلى : 14 ) وقوله : * ( فلا تزكوا أنفسكم ) * ( النجم : 32 ) ومن جملته ما يخرج من حق المال ، وإنما سمى بذلك لأنها تطهر من الذنوب لقوله