رحمه الله أن الاستثناء من النفي لا يكون إثباتاً واحتج عليه بقوله عليه السلام : " لا صلاة إلا بطهور ولا نكاح إلا بولي " فإن ذلك لا يقتضي حصول الصلاة بمجرد حصول الطهور وحصول النكاح بمجرد حصول الولي . وفائدة الاستثناء صرف الحكم لا صرف المحكوم به فقوله : * ( والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم ) * معناه أنه يجب حفظ الفروج عن الكل إلا في هاتين الصورتين فإني ما ذكرت حكمهما لا بالنفي ولا بالإثبات الثاني : أنا إن سلمنا أن الاستثناء من النفي إثبات ، فغايته أنه عام دخله التخصيص بالدليل فيبقى فيما وراءه حجة .
أما قوله تعالى : * ( فأولئك هم العادون ) * يعني الكاملون في العدوان المتناهون فيه .
الصفة السادسة : قوله تعالى : * ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) * قرأ نافع وابن كثير * ( لأمانتهم ) * واعلم أنه يسمى الشيء المؤتمن عليه والمعاهد عليه أمانة وعهداً ، ومنه قوله تعالى : * ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) * وقال : * ( وتخونوا أماناتكم ) * ( الأنفال : 27 ) وإنما تؤدي العيون دون المعاني فكان المؤتمن عليه الأمانة في نفسه والعهد ، ما عقده على نفسه فيما يقربه إلى ربه ويقع أيضاً على ما أمر الله تعالى به كقوله : * ( الذين قالوا إن الله عهد إلينا ) * ( آل عمران : 183 ) والراعي القائم على الشيء لحفظ وإصلاح كراعي الغنم وراعي الرعية ، ويقال من راعى هذا الشيء ؟ أي موليه . واعلم أن الأمانة تتناول كل ما تركه يكون داخلاً في الخيانة وقد قال تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم ) * ( الأنفال : 270 ) فمن ذلك العبادات التي المرء مؤتمن عليها وكل العبادات تدخل في ذلك ، لأنها إما أن تخفي أصلاً كالصوم وغسل الجنابة وإسباغ الوضوء أو تخفي كيفية إتيانه بها وقال عليه السلام : " أعظم الناس خيانة من لم يتم صلاته " وعن ابن مسعود رضي الله عنه : " أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة " ومن جملة ذلك ما يلتزمه بفعل أو قول فيلزمه الوفاء به كالودائع والعقود وما يتصل بهما . ومن ذلك الأقوال التي يحرم بها العبيد والنساء لأنه مؤتمن في ذلك ، ومن ذلك أن يراعى أمانته فلا يفسدها بغصب أو غيره ، وأما العهد فإنه دخل فيه العقود والإيمان والنذور ، فبين سبحانه أن مراعاة هذه الأمور والقيام بها معتبر في حصول الفلاح .
الصفة السابعة : قوله : * ( والذين هم على صلواتهم يحافظون ) * وإنما أعاد تعالى ذكرها لأن الخشوع والمحافظة متغايران غير متلازمين ، فإن الخشوع صفة للمصلي في حال الأداء لصلاته والمحافظة إنما تصح حال ما لم يؤدها بكمالها . بل المراد بالمحافظة التعهد لشروطها من وقت وطهارة وغيرهما والقيام على أركانها وإتمامها حتى يكون ذلك دأبه في كل وقت ، ثم لما ذكر الله تعالى مجموع هذه الأمور قال : * ( أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ) * وههنا سؤالات : السؤال الأول : لم سمي ما يجدونه من الثواب والجنة بالميراث ؟ مع أنه سبحانه حكم بأن الجنة حقهم في قوله : * ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) * الجواب : من
تفسير الرازي — صفحة 81
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٨١