تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
أما قوله تعالى : * ( ضرب مثل ) * ففيه سؤالات : السؤال الأول : الذي جاء به ليس بمثل فكيف سماه مثلاً ؟ والجواب : لما كان المثل في الأكثر نكتة عجيبة غريبة جاز أن يسمى كل ما كان كذلك مثلاً . السؤال الثاني : قوله : * ( ضرب ) * يفيد فيما مضى والله تعالى هو المتكلم بهذا الكلام ابتداء ؟ الجواب : إذا كان ما يورد من الوصف معلوماً من قبل جاز ذلك فيه ، ويكون ذكره بمنزلة إعادة أمر قد تقدم . أما قوله : * ( فاستمعوا له ) * أي تدبروه حق تدبره لأن نفس السماع لا ينفع ، وإنما ينفع التدبر . واعلم أن الذباب لما كان في غاية الضعف احتج الله تعالى به على إبطال قولهم من وجهين : الأول : قوله : * ( إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له ) * قرىء يدعون بالياء والتاء ويدعون مبنياً للمفعول * ( ولن ) * أصل في نفي المستقبل إلا أنه ينفيه نفياً مؤكداً فكأنه سبحانه قال : إن هذه الأصنام وإن اجتمعت لن تقدر على خلق ذبابة على ضعفها ، فكيف يليق بالعاقل جعلها معبوداً ، فقوله : * ( ولو اجتمعوا له ) * نصب على الحال كأنه قال يستحيل أن يخلقوا الذباب حال اجتماعهم فكيف حال انفرداهم والثاني : أن قوله : * ( وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ) * كأنه سبحانه قال : أترك أمر الخلق والإيجاد وأتكلم فيما هو أسهل منه ، فإن الذباب إن سلب منها شيئاً ، فهي لا تقدر على استنقاذ ذلك الشيء من الذباب ، واعلم أن الدلالة الأولى صالحة لأن يتمسك بها في نفي كون المسيح والملائكة آلهة ، أما الثانية فلا ، فإن قيل هذا الاستدلال إما أن يكون لنفي كون الأوثان خالقة عالمة حية مدبرة ، أو لنفي كونها مستحقة للتعظيم والأول : فاسد لأن نفي كونها كذلك معلوم بالضرورة ، فأي فائدة في إقامة الدلالة عليه وأما الثاني : فهذه الدلالة لا تفيده لأنه لا يلزم من نفي كونها حية أن لا تكون معظمة ، فإن جهات التعظيم مختلفة ، فالقوم كانوا يعتقدون فيها أنها طلسمات موضوعة على صورة الكواكب ، أو أنها تماثيل الملائكة والأنبياء المتقدمين ، وكانوا يعظمونها على أن تعظيمها يوجب تعظيم الملائكة ، وأولئك الأنبياء المتقدمين والجواب : أما كونها طلسمات موضوعة على الكواكب بحيث يحصل منها الإضرار والانتفاع ، فهو يبطل بهذه الدلالة فإنها لما لم تنفع نفسها في هذا القدر وهو تخليص النفس عن الذبابة فلأن لا تنفع غيرها أولى ، وأما أنها تماثيل الملائكة والأنبياء المتقدمين ، فقد تقرر في العقل أن تعظيم غير الله تعالى ينبغي أن يكون أقل من تعظيم الله تعالى ، والقوم كانوا يعظمونها غاية التعظيم ، وحينئذ كان يلزم التسوية بينها وبين الخالق سبحانه في التعظيم ، فمن ههنا صاروا مستوجبين للذم والملام . أما قوله تعالى : * ( ضعف الطالب والمطلوب ) * ففيه قولان : أحدهما : المراد منه الصنم والذباب فالصنم كالطالب من حيث إنه لو طلب أن يخلقه ويستنقذ منه ما استلبه لعجز عنه والذباب بمنزلة