تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
الجوارح هذا الكلام ، وعندهم المتكلم فاعل الكلام ، فتكون تلك الشهادة من الله تعالى في الحقيقة إلا أنه سبحانه أضافها إلى الجوارح توسعاً الثاني : أنه سبحانه بيني هذه الجوارح على خلاف ما هي عليه ويلجئها أن تشهد على الإنسان وتخبر عنه بأعماله ، قال القاضي وهذا أقرب إلى الظاهر ، لأن ذلك يفيد أنها تفعل الشهادة وثالثها : قوله تعالى : * ( يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ) * ولا شبهة في أن نفس دينهم ليس هو المراد لأن دينهم هو عملهم . بل المراد جزاء عملهم ، والدين بمعنى الجزاء مستعمل كقولهم كما تدين تدان ، وقيل الدين هو الحساب كقوله ذلك الدين القيم أي الحساب الصحيح ومعنى قوله : * ( الحق ) * أي أن الذي نوفيهم من الجزاء هو القدر المستحق لأنه الحق وما زاد عليه هو الباطل ، وقرئ الحق بالنصب صفة للدين وهو الجزاء وبالرفع صفة لله . وأما قوله : * ( ويعلمون أن الله هو الحق المبين ) * ( النور : 25 ) فمن الناس من قال إنه سبحانه إنما سمي بالحق لأن عبادته هي الحق دون عبادة غيره أو لأنه الحق فيما يأمر به دون غيره ومعنى * ( المبين ) * يؤيد ما قلنا لأن المحق فيما يخاطب به هو المبين من حيث يبين الصحيح بكلامه دون غيره ، ومنهم من قال الحق من أسماء الله تعالى ومعناه الموجود ، لأن نقيضه الباطل وهو المعدوم ، ومعنى المبين المظهر ومعناه أن بقدرته ظهر وجود الممكنات ، فمعنى كونه حقاً أنه الموجود لذاته ، ومعنى كونه مبيناً أنه المعطي وجود غيره . قوله تعالى * ( الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) * . اعلم أن الخبيثات يقع على الكلمات التي هي القذف الواقع من أهل الإفك ، ويقع أيضاً على الكلام الذي هو كالذم واللعن ، ويكون المراد من ذلك لا نفس الكلمة التي هي من قبل الله تعالى ، بل المراد مضمون الكلمة ، ويقع أيضاً على الزواني من النساء ، وفي هذه الآية كل هذه الوجوه محتملة ، فإن حملناها على القذف الواقع من أهل الإفك كان المعنى الخبيثات من قول أهل الإفك للخبيثين من الرجال ، وبالعكس والطيبات من قول منكري الإفك للطيبين من الرجال وبالعكس ، وإن حملناها على الكلام الذي هو كالذم واللعن ، فالمعنى أن الذم واللعن معدان للخبيثين من الرجال ، والخبيثون منهم معرضون للعن والذم . وكذا القول في الطيبات وأولئك إشارة إلى الطيبين وأنهم مبرؤون مما يقول الخبيثون من خبيثات الكلمات ، وإن حملناه حملناه على الزواني فالمعنى الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال وبالعكس ، على معنى قوله تعالى :