من الإنس وهو أن يتعرف هل ثم إنسان ، ولا شك أن هذا مقدم على السلام والرابع : لو سلمنا أن الاستئناس إنما يقع بعد السلام ولكن الواو لا توجب الترتيب ، فتقديم الاستئناس على السلام في اللفظ لا يوجب تقديمه عليه في العمل .
السؤال الثاني : ما الحكم في إيجاب تقديم الاستئذان ؟ والجواب : تلك الحكمة هي التي نبه الله تعالى عليها في قوله : * ( ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة ) * فدل بذلك على أن الذي لأجله حرم الدخول إلا على هذا الشرط هو كون البيوت مسكونة ، إذ لا يأمن من يهجم عليها بغير استئذان أن يهجم على ما لا يحل له أن ينظر إليه من عورة ، أو على ما لا يحب القوم أن يعرفه غيرهم من الأحوال ، وهذا من باب العلل المنبه عليها بالنص ، ولأنه تصرف في ملك الغير فلا بد وأن يكون برضاه وإلا أشبه الغصب .
السؤال الثالث : كيف يكون الاستئذان ؟ الجواب : استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أألج ؟ فقال عليه الصلاة والسلام لامرأة يقال لها روضة " قومي إلى هذا فعلميه فإنه لا يحسن أن يستأذن قولي له يقول السلام عليكم أأدخل فسمعها الرجل فقالها ، فقال ادخل فدخل وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء وكان يجيب ، فقال هل في العلم ما لا تعلمه ، فقال عليه الصلاة والسلام : لقد آتاني خيراً كثيراً وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله ، وتلا إن الله عنده علم الساعة إلى آخره " وكان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتاً غير بيته حييتم صباحاً وحييتم مساء ، ثم يدخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد ، فصدق الله تعالى عن ذلك وعلم الأحسن والأجمل ، وعن مجاهد حتى تستأنسوا هو التنحنح ، وقال عكرمة هو التسبيح والتكبير ونحوه .
السؤال الرابع : كم عدد الاستئذان الجواب : روى أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الاستئذان " ثلاث بالأولى يستنصتون ، وبالثانية يستصلحون ، وبالثالثة يأذنون أو يردون " وعن جندب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا استأذن أحدكم ثلاثاً ، فلم يؤذن له فليرجع " وعن أبي سعيد الخدري قال : " كنت جالساً في مجلس من مجالس الأنصار ، فجاء أبو موسى فزعاً ، فقلنا له ما أفزعك ؟ فقال أمرني عمر أن آتيه فأتيته ، فاستأذنت ثلاثاً ، فلم يؤذن لي فرجعت ، فقال ما منعك أن تأتيني ؟ فقلت قد جئت فاستأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي . وقد قال عليه الصلاة والسلام : إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع فقال لتأتيني على هذا بالبينة ، أو لأعاقبنك . فقال أبي لا يقوم معك إلا أصغر القوم ، قال فقام أبو سعيد فشهد له " وفي بعض الأخبار أن عمر قال لأبي موسى إني لم أتهمك ، ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعن قتادة الاستئذان ثلاثة : الأولى يسمع الحي ، والثاني ليتأهبوا والثالث إن شاءوا أذنوا ، وإن شاءوا ردوا ، واعلم أن هذا من محاسن الآداب ، لأن في أول مرة
تفسير الرازي — صفحة 197
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٩٧