وهذا من باب الزواجر أيضاً ، ولولا ههنا لامتناع الشيء لوجود غيره ، ويقال أفاض في الحديث واندفع وخاض ، وفي المعنى وجهان : الأول : ولولا أني قضيت أن أتفضل عليكم في الدنيا بضروب النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة ، وأن أترحم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك والثاني : ولولا فضل الله عليكم ورحمته لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم في الدنيا والآخرة معاً ، فيكون فيه تقديم وتأخير ، والخطاب للقذفة وهو قول مقاتل ، وهذا الفضل هو حكم الله تعالى من تأخيره العذاب وحكمه بقبول التوبة لمن تاب . النوع الرابع
قوله تعالى
* ( إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ ) * .
وهذا أيضاً من الزواجر قال صاحب " الكشاف " إذ ظرف لمسكم أو لأفضتم ومعنى تلقونه يأخذه بعضكم من بعض يقال تلقى القول وتلقنه وتلقفه ومنه قوله تعالى : * ( فتلقى آدم من ربه كلمات ) * ( البقرة : 37 ) وقرئ على الأصل تتلقونه وإتلقونه بإدغام الذال في التاء وتلقونه من لقيه بمعنى لفقه وتلقونه من إلقائه بعضهم على بعض وتلقونه ، وتألقونه من الولق والألف وهو الكذب ، وتلقونه محكية عن عائشة ، وعن سفيان : سمعت أمي تقرأ إذ تثقفونه ، وكان أبوها يقرأ بحرف عبد الله بن مسعود ، واعلم أن الله تعالى وصفهم بارتكاب ثلاثة آثام وعلق مس العذاب العظيم بها أحدها : تلقي الإفك بألسنتهم وذلك أن الرجل كان يلقى الرجل فيقول له ما وراءك ؟ فيحدثه بحديث الإفك حتى شاع واشتهر فلم يبق بيت ولا ناد إلا طار فيه ، فكأنهم سعوا في إشاعة الفاحشة وذلك من العظائم وثانيها : أنهم كانوا يتكلمون بما لا علم لهم به ، وذلك يدل على أنه لا يجوز الإخبار إلا مع العلم فأما الذي لا يعلم صدقه فالإخبار عنه كالإخبار عما علم كذبه في الحرمة ، ونظيره قوله : * ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) * ( الإسراء : 36 ) فإن قيل ما معنى قوله : * ( بأفواهكم ) * والقول لا يكون إلا بالفم ؟ قلنا معناه أن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب فيترجم عنه باللسان وهذا الإفك ليس إلا قولاً يجري على ألسنتكم من غير أن يحصل في القلب علم به ، كقوله : * ( يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ) * ( آل عمران : 167 ) وثالثها : أنهم كانوا يستصغرون ذلك وهو عظيم من العظائم ، ويدل على أمور ثلاثة : الأول : يدل على أن القذف من الكبائر لقوله : * ( وهو عند الله عظيم ) * الثاني : نبه بقوله : * ( وتحسبونه هيناً ) * على أن عظم المعصية لا يختلف بظن فاعلها وحسبانه ، بل ربما كان ذلك مؤكداً لعظمها من حيث جهل كونها عظيماً ،
تفسير الرازي — صفحة 179
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٧٩