تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
النوع الأول قوله تعالى * ( لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُواْ هَذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ ) * . وهذا من جملة الآداب التي كان يلزمهم الإتيان بها ، و * ( لولا ) * معناه هلا وذلك كثير في اللغة إذا كان يليه الفعل كقوله : * ( لولا أخرتني ) * ( المنافقون : 10 ) وقوله : * ( فلولا كانت قرية آمنت ) * ( يونس : 98 ) فأما إذا وليه الاسم فليس كذلك كقوله : * ( لولا أنتم لكنا مؤمنين ) * ( سبأ : 31 ) وقوله : * ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ) * ( النور : 10 ) والمراد كان الواجب على المؤمنين إذ سمعوا قول القاذف أن يكذبوه ويشتغلوا بإحسان الظن ولا يسرعوا إلى التهمة فيمن عرفوا فيه الطهارة ، وههنا سؤالات : السؤال الأول : هلا قيل لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيراً وقلتم فلم عدل عن الخطاب إلى الغيبة وعن المضمر إلى الظاهر ؟ الجواب : ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات ، وفي التصريح بلفظ الإيمان دلالة على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يظن بالمسلمين إلا خيراً ، لأن دينه يحكم بكون المعصية منشأ للضرر وعقله يهديه إلى وجوب الاحتراز عن الضرر ، وهذا يوجب حصول الظن باحترازه عن المعصية ، فإذا وجد هذا المقتضى للاحتراز ولم يوجد في مقابلته راجح يساويه في القوة وجب إحسان الظن ، وحرم الإقدام على الطعن . السؤال الثاني : ما المراد من قوله بأنفسهم ؟ الجواب : فيه وجهان : الأول : المراد أن يظن بعضهم ببعض خيراً ونظيره قوله : * ( ولا تلمزوا أنفسكم ) * ( الحجرات : 11 ) وقوله : * ( فاقتلوا أنفسكم ) * ( البقرة : 54 ) وقوله : * ( فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم ) * ( النور : 61 ) ومعناه أي بأمثالكم من المؤمنين الذين هم كأنفسكم ، روي أن أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال لأم أيوب أما ترين ما يقال ؟ فقالت لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرم رسول الله سوءاً ؟ قال لا ، قالت ولو كنت بدل عائشة ما خنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعائشة خير مني وصفوان خير منك . وقال ابن زيد ذلك معاتبة للمؤمنين إذ المؤمن لا يفجر بأمه ولا الأم بابنها وعائشة رضي الله عنها هي أم المؤمنين والثاني : أنه جعل المؤمنين كالنفس الواحدة فيما يجري عليها من الأمور فإذا جرى على أحدهم مكروه فكأنه جرى على جميعهم . عن النعمان بن بشير قال عليه السلام : " مثل المسلمين في تواصلهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا وجع بعضه بالسهر والحمى وجع كله " وعن أبي بردة قال عليه السلام : " المؤمنون للمؤمنين كالبنيان يشد بعضه بعضاً " . السؤال الثالث : ما معنى قوله : * ( هذا إفك مبين ) * وهل يحل لمن يسمح ما لا يعرفه
تفسير الرازي — صفحة 177 | فخر الدين الرازي