تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
من عذب من الأمم الخوالي * ( فما استكانوا ) * أي مشركي العرب لربهم عن الحسن ورابعها : أن شدة الدنيا أقرب إلى المكلف من شدة الآخرة ، فإذا لم تؤثر فيهم شدة الدنيا فشدة الآخرة كذلك ، وهذا يدل على أنهم * ( لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ) * ( الأنعام : 28 ) . أما قوله تعالى : * ( حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد ) * ففيه وجهان : أحدهما : حتى إذا فتحنا عليهم باب الجوع الذي هو أشد من القتل والأسر والثاني : إذا عذبوا بنار جهنم فحينئذ يبلسون كقوله : * ( ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ، لا يفتر عنهم ، وهم مبلسون ) * والإبلاس اليأس من كل خير ، وقيل السكون مع التحسير . وههنا سؤالات : السؤال الأول : ما وزن استكان ؟ الجواب : استفعل من السكون أي انتقل من كون إلى كون ، كما قيل استحال إذا انتقل من حال إلى حال ، ويجوز أن يكون افتعل من السكون أشبعت فتحة عينه . السؤال الثاني : لم جاء * ( استكانوا ) * بلفظ الماضي و * ( يتضرعون ) * بلفظ المستقبل ؟ الجواب : لأن المعنى امتحناهم فما وجدنا منهم عقيب المحنة استكانة ، وما من عادة هؤلاء أن يتضرعوا حتى يفتح عليهم باب العذاب الشديد وقرئ فتحنا . السؤال الثالث : العطف لا يحسن إلا مع المجانسة فأي مناسبة بين قوله : * ( وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار ) * وبين ما قبله ؟ الجواب : كأنه سبحانه لما بين مبالغة أولئك الكفار في الأعراض عن سماع الأدلة ورؤية العبر والتأمل في الحقائق قال للمؤمنين ، وهو الذي أعطاكم هذه الأشياء ووقفكم عليها ، تنبيهاً على أن من لم يستعمل هذه الأعضاء فيما خلقت له فهو بمنزلة عادمها كما قال تعالى : * ( فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله ) * تنبيهاً على أن حرمان أولئك الكفار ووجدان هؤلاء المؤمنين ليس إلا من الله . واعلم أنه سبحانه بين عظيم نعمه من وجوه : أحدها : بإعطاء السمع والأبصار والأفئدة وخص هذه الثلاثة بالذكر لأن الاستدلال موقوف عليها ، ثم بين أنه يقل منهم الشاكرون ، قال أبو مسلم وليس المراد أن لهم شكراً وإن قل ، لكنه كما يقال للكفور الجاحد للنعمة ما أقل شكر فلان وثانيها : قوله : * ( وهو الذي ذرأكم في الأرض ) * قيل في التفسير * ( خلقكم ) * قال أبو مسلم : ويحتمل بسطكم فيها ذرية بعضكم من بعض حتى كثرتم كقوله تعالى : * ( ذرية من حملنا مع نوح ) * ( الإسراء : 3 ) فنقول : هو الذي جعلكم في الأرض متناسلين ، ويحشركم يوم القيامة إلى دار لا حاكم فيها سواه ، فجعل حشرهم إلى ذلك الموضع حشراً إليه لا بمعنى المكان وثالثها : قوله : * ( وهو الذي يحيي ويميت ) * أي نعمة الحياة وإن كانت من أعظم النعم فهي منقطعة وأنه سبحانه وإن أنعم بها فالمقصود منها الانتقال إلى دار الثواب ورابعها : قوله : * ( وله اختلاف الليل والنهار ) * ووجه النعمة بذلك معلوم ، ثم إنه سبحانه حذر من ترك النظر في هذه الأمور فقال : * ( أفلا تعقلون ) * لأن ذلك دلالة الزجر والتهديد وقرئ * ( أفلا يعقلون ) * .