تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
واطمأنوا بها ، وكانوا عن آيات الله غافلين ؛ بين أن من غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب جهلاً منهم وسفهاً . المسألة الثانية : أنه تعالى أخبر في آيات كثيرة أن هؤلاء المشركين متى خوفوا بنزول العذاب في الدنيا استعجلوا ذلك العذاب كما قالوا : * ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) * ( الأنفال : 32 ) وقال تعالى : * ( سأل سائل بعذاب واقع ) * ( المعارج : 1 ) الآية . ثم إنهم لما توعدوا بعذاب الآخرة في هذه الآية وهو قوله : * ( أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون ) * ( يونس : 8 ) استعجلوا ذلك العذاب ، وقالوا : متى يحصل ذلك كما قال تعالى : * ( يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ) * ( الشورى : 18 ) وقال في هذه السورة بعد هذه الآية : * ( ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ) * ( الأنبياء : 38 ) إلى قوله : * ( آلآن وقد كنتم به تستعجلون ) * ( يونس : 51 ) وقال في سورة الرعد : * ( ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات ) * ( الرعد : 6 ) فبين تعالى أنهم لا مصلحة لهم في تعجيل إيصال الشر إليهم ، لأنه تعالى لو أوصل ذلك العقاب إليهم لماتوا وهلكوا ، لأن تركيبهم في الدنيا لا يحتمل ذلك ولا صلاح في إماتتهم ، فربما آمنوا بعد ذلك ، وربما خرج من صلبهم من كان مؤمناً ، وذلك يقتضي أن لا يعاجلهم بإيصال ذلك الشر . المسألة الثالثة : في لفظ الآية إشكال ، وهو أن يقال : كيف قابل التعجل بالاستعجال ، وكان الواجب أن يقابل التعجيل بالتعجيل ، والاستعجال بالاستعجال . والجواب عنه من وجوه : الأول : قال صاحب " الكشاف " : أصل هذا الكلام ، ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير إلا أنه وضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعاراً بسرعة إجابته وإسعافه بطلبهم ، حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل لهم . الثاني : قال بعضهم حقيقة قولك عجلت فلاناً طلبت عجلته ، وكذلك عجلت الأمر إذا أتيت به عاجلاً ، كأنك طلبت فيه العجلة والاستعجال أشهر وأظهر في هذا المعنى ، وعلى هذا الوجه يصير معنى الآية لو أراد الله عجلة الشر للناس كما أرادوا عجلة الخير لهم لقضى إليهم أجلهم ، قال صاحب هذا الوجه ، وعلى هذا التقدير : فلا حاجة إلى العدول عن ظاهر الآية . الثالث : أن كل من عجل شيئاً فقد طلب تعجيله ، وإذا كان كذلك ، فكل من كان معجلاً كان مستعجلاً ، فيصير التقدير ، ولو استعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير إلا أنه تعالى وصف نفسه بتكوين العجلة ووصفهم بطلبها ، لأن اللائق به تعالى هو التكوين واللائق بهم هو الطلب . المسألة الرابعة : أنه تعالى سمى العذاب شراً في هذه الآية ، لأن أذى في حق المعاقب ومكروه عنده كما أنه سماه سيئة في قوله : * ( ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة ) * ( الرعد : 6 ) وفي قوله : * ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) * ( الشورى : 40 ) .