زوالها يكون أشد أنواع البلاء ، فإن النعمة كلما كانت أكمل وألذ وأقوى وأفضل ، كان خوف زوالها أشد إيذاء وأقوى إيحاشاً ، فثبت أن من كان مشغولاً بالنعمة كان أبداً في لجة البلية . أما من كان في وقت النعمة مشغولاً بالمنعم ، لزم أن يكون في وقت البلاء مشغولاً بالمبلي . وإذا كان المنعم والمبلي واحداً ، كان نظره أبداً على مطلوب واحد ، وكان مطلوبه منزهاً عن التغير مقدساً عن التبدل ومن كان كذلك كان في وقت البلاء وفي وقت النعماء ، غرقاً في بحر السعادات ، واصلاً إلى أقصى الكمالات ، وهذا النوع من البيان بحر لا ساحل له ، ومن أراد أن يصل إليه فليكن من الواصلين إلى العين دون السامعين للأثر . المسألة الثالثة : اختلفوا في * ( الإنسان ) * في قوله : * ( وإذا مس الإنسان الضر ) * فقال بعضهم : إنه الكافر ، ومنهم من بالغ وقال : كل موضع في القرآن ورد فيه ذكر الإنسان ، فالمراد هو الكافر ، وهذا باطل ، لأن قوله : * ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه فأما من أوتي كتابه بيمينه ) * ( الانشقاق : 6 ، 7 ) لا شبهة في أن المؤمن داخل فيه ، وكذلك قوله : * ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر ) * ( الدهر : 1 ) وقوله : * ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ) * ( المؤمنون : 12 ) وقوله : * ( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ) * ( ق : 16 ) فالذي قالوه بعيد ، بل الحق أن نقول : اللفظ المفرد المحلى بالألف واللام حكمه أنه إذا حصل هناك معهود سابق انصرف إليه ، وإن لم يحصل هناك معهود سابق وجب حمله على الاستغراق صوناً له عن الإجمال والتعطيل . ولفظ * ( الإنسان ) * ههنا لائق بالكافر ، لأن العمل المذكور لا يليق بالمسلم البتة .
المسألة الرابعة : في قوله : * ( دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً ) * وجهان :
الوجه الأول : أن المراد منه ذكر أحوال الدعاء فقوله : * ( لجنبه ) * في موضع الحال بدليل عطف الحالين عليه ، والتقدير : دعانا مضطجعاً أو قاعداً أو قائماً .
فإن قالوا : فما فائدة ذكر هذه الأحوال ؟
قلنا : معناه : إن المضرور لا يزال داعياً لا يفتر عن الدعاء إلى أن يزول عنه الضر ، سواء كان مضطجعاً أو قاعداً أو قائماً .
والوجه الثاني : أن تكون هذه الأحوال الثلاثة تعديداً لأحوال الضر ، والتقدير : وإذا مس الإنسان الضر لجنبه أو قاعداً أو قائماً دعانا وهو قول الزجاج . والأول : أصح ، لأن ذكر الدعاء أقرب إلى هذه الأحوال من ذكر الضر ، ولأن القول بأن هذه الأحوال أحوال للدعاء يقتضي مبالغة الإنسان في الدعاء ، ثم إذا ترك الدعاء بالكلية وأعرض عنه كان ذلك أعجب .
المسألة الخامسة : في قوله : * ( مر ) * وجوه : الأول : المراد منه أنه مضى على طريقته الأولى
تفسير الرازي — صفحة 51
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٥١