أحدها : قال القاضي : إنه تعالى وعد المتقين بالثواب العظيم ، كما ذكر في أول هذه السورة من قوله : * ( ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط ) * ( يونس : 4 ) فإذا دخل أهل الجنة الجنة ، ووجدوا تلك النعم العظيمة ، عرفوا أن الله تعالى كان صادقاً في وعده إياهم بتلك النعم ، فعند هذا قالوا : * ( سبحانك اللهم ) * أي نسبحك عن الخلف في الوعد والكذب في القول . وثانيها : أن نقول : غاية سعادة السعداء ، ونهاية درجات الأنبياء والأولياء استسعادهم بمراتب معارف الجلال .
واعلم أن معرفة ذات الله تعالى والاطلاع على كنه حقيقته مما لا سبيل للخلق إليه ، بل الغاية القصوى معرفة صفاته السلبية أو صفاته الإضافية . إما الصفات السلبية فهي المسماة بصفات الجلال ، وأما الصفات الإضافية فهي المسماة بصفات الإكرام ، فلذلك كان كمال الذكر العالي مقصوراً عليها ، كما قال سبحانه وتعالى : * ( تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام ) * ( الرحمان : 78 ) وكان صلى الله عليه وسلم يقول : " ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام " ولما كانت السلوب متقدمة بالرتبة على الإضافات ، لا جرم كان ذكر الجلال متقدماً على ذكر الإكرام في اللفظ . وإذا ثبت أن غاية سعادة السعداء ليس إلا في هذين المقامين ، لا جرم ذكر الله سبحانه وتعالى كونهم مواظبين على هذا الذكر العالي المقدس ، ولما كان لا نهاية لمعارج جلال الله ولا غاية لمدارج إلهيته وإكرامه وإحسانه ، فكذلك لا نهاية لدرجات ترقي الأرواح المقدسة في هذه المقامات العلية الإلهية . وثالثها : أن الملائكة المقربين كانوا قبل تخليق آدم عليه السلام مشتغلين بهذا الذكر ، ألا ترى أنهم قالوا : * ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) * ( البقرة : 30 ) فالحق سبحانه ألهم السعداء من أولاد آدم ، حتى أتوا بهذا التسبيح والتحميد ، ليدل ذلك على أن الذي أتى به الملائكة المقربون قبل خلق العالم من الذكر العالي ، فهو بعينه أتى به السعداء من أولاد آدم عليه السلام ، بعد انقراض العالم ، ولما كان هذا الذكر مشتملاً على هذا الشرف العالي ، لا جرم جاءت الرواية بقراءته في أول الصلاة ، فإن المصلي إذا كبر قال : " سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك " .
المرتبة الثالثة : من مراتب سعادات أهل الجنة قوله تعالى : * ( وتحيتهم فيها سلام ) * قال المفسرون : تحية بعضهم لبعض تكون بالسلام ، وتحية الملائكة لهم بالسلام ، كما قال تعالى : * ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم ) * ( الرعد : 23 ) وتحية الله تعالى لهم أيضاً بالسلام كما قال تعالى : * ( سلام قولاً من رب رحيم ) * ( يس : 58 ) قال الواحدي : وعلى هذا التقدير يكون هذا من إضافة المصدر إلى المفعول ، وعندي فيه وجه آخر : وهو أن مواظبتهم على ذكر هذه الكلمة ، مشعرة بأنهم كانوا في الدنيا في منزل الآفات وفي معرض المخافات ، فإذا أخرجوا من الدنيا ووصلوا إلى كرامة الله تعالى ، فقد صاروا سالمين
تفسير الرازي — صفحة 45
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٤٥