تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
كان الاستعداد أقوى وأكمل . كانت معارج المعارف أكثر وإشراقها ولمعانها أقوى ، ولما كان لا نهاية لمراتب المعارف والأنوار العقلية ، لا جرم لا نهاية لمراتب هذه الهداية المشار إليها بقوله تعالى : * ( يهديهم ربهم بإيمانهم ) * . المسألة الثانية : قوله تعالى : * ( تجري من تحتهم الأنهار ) * المراد منه أنهم يكونون جالسين على سرر مرفوعة في البساتين والأنهار تجري من بين أيديهم ، ونظيره قوله تعالى : * ( قد جعل ربك تحتك سرياً ) * ( مريم : 24 ) وهي ما كانت قاعدة عليها ، ولكن المعنى بين يديك ، وكذا قوله : * ( وهذه الأنهار تجري من تحتي ) * ( الزخرف : 51 ) المعنى بين يدي فكذا ههنا . المسألة الثالثة : الإيمان هو المعرفة والهداية المترتبة عليها أيضاً من جنس المعارف ، ثم إنه تعالى لم يقل يهديهم ربهم إيمانهم . بل قال : * ( يهديهم ربهم بإيمانهم ) * وذلك يدل على أن العلم بالمقدمتين لا يوجب العلم بالنتيجة ، بل العلم بالمقدمتين سبب لحصول الاستعداد التام لقبول النفس للنتيجة . ثم إذا حصل هذا الاستعداد ، كان التكوين من الحق سبحانه وتعالى ، وهذا معنى قول الحكماء أن الفياض المطلق والجواد الحق ، ليس إلا الله سبحانه وتعالى . المرتبة الثانية : من مراتب سعاداتهم ودرجات كمالاتهم قوله سبحانه وتعالى : * ( دعواهم فيها سبحانك اللهم ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : في دعواهم وجوه : الأول : أن الدعوى ههنا بمعنى الدعاء ، يقال : دعا يدعو دعاء ودعوى ، كما يقال : شكى يشكو شكاية وشكوى . قال بعض المفسرين : * ( دعواهم ) * أي دعاؤهم . وقال تعالى في أهل الجنة : * ( لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون ) * ( يس : 57 ) وقال في آية أخرى * ( يدعون فيها بكل فاكهة آمنين ) * ( الدخان : 55 ) ومما يقوى أن المراد من الدعوى ههنا الدعاء . هو أنهم قالوا : اللهم . وهذا نداء لله سبحانه وتعالى ، ومعنى قولهم : * ( سبحانك اللهم ) * إنا نسبحك ، كقول القانت في دعاء القنوت : " اللهم إياك نعبد " الثاني : أن يراد بالدعاء العبادة ، ونظيره قوله تعالى : * ( وأعتزلكم وما تدعون من دون الله ) * ( مريم : 48 ) أي وما تعبدون . فيكون معنى الآية أنه لا عبادة لأهل الجنة إلا أن يسبحوا الله ويحمدوه ، ويكون اشتغالهم بذلك الذكر لا على سبيل التكليف ، بل على سبيل الابتهاج بذكر الله تعالى . الثالث : قال بعضهم : لا يبعد أن يكون المراد من الدعوى نفس الدعوى التي تكون للخصم على الخصم . والمعنى : أن أهل الجنة يدعون في الدنيا وفي الآخرة تنزيه الله تعالى عن كل المعايب والإقرار له بالإلهية . قال القفال : أصل ذلك أيضاً من الدعاء ، لأن الخصم يدعو خصمه إلى من يحكم بينهما . الرابع : قال مسلم : * ( دعواهم ) * أي قولهم وإقرارهم ونداؤهم ، وذلك هو قولهم : * ( سبحانك
تفسير الرازي — صفحة 43 | فخر الدين الرازي