تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
الشريعة مبنية على رؤية الأهلة ، والسنة المعتبرة في الشريعة هي السنة القمرية ، كما قال تعالى : * ( إن عدة الشهور عند الله إثنا عشر شهراً في كتاب الله ) * ( التوبة : 36 ) . المسألة الثامنة : اعلم أن انتفاع الخلق بضوء الشمس وبنور القمر عظيم ، فالشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل . وبحركة الشمس تنفصل السنة إلى الفصول الأربعة ، وبالفصول الأربعة تنتظم مصالح هذا العالم . وبحركة القمر تحصل الشهور ، وباختلاف حاله في زيادة الضوء ونقصانه تختلف أحوال رطوبات هذا العالم . وبسبب الحركة اليومية يحصل النهار والليل ، فالنهار يكون زماناً للتكسب والطلب ، والليل يكون زماناً للراحة ، وقد استقصينا في منافع الشمس والقمر في تفسير الآيات اللائقة بها فيما سلف ، وكل ذلك يدل على كثرة رحمة الله على الخلق وعظم عنايته بهم ، فإنا قد دللنا على أن الأجسام متساوية . ومتى كان كذلك كان اختصاص كل جسم بشكله المعين ووضعه المعين ، وحيزه المعين ، وصفته المعينة ، ليس إلا بتدبير مدبر حكيم رحيم قادر قاهر . وذلك يدل على أن جميع المنافع الحاصلة في هذا العالم بسبب حركات الأفلاك ومسير الشمس والقمر والكواكب ، ما حصل إلا بتدبير المدبر المقدر الرحيم الحكيم سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً . ثم إنه تعالى لما قرر هذه الدلائل ختمها بقوله : * ( ما خلق الله ذلك إلا بالحق ) * ومعناه أنه تعالى خلقه على وفق الحكمة ومطابقة المصلحة ، ونظيره قوله تعالى في آل عمران : * ( ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك ) * ( آل عمران : 191 ) وقال في سورة أخرى : * ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا ) * ( ص : 27 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال القاضي : هذه الآية تدل على بطلان الجبر ، لأنه تعالى لو كان مريداً لكل ظلم ، وخالقاً لكل قبيح ، ومريداً لإضلال من ضل ، لما صح أن يصف نفسه بأنه ما خلق ذلك إلا بالحق . المسألة الثانية : قال حكماء الإسلام : هذا يدل على أنه سبحانه أودع في أجرام الأفلاك والكواكب خواص معينة وقوى مخصوصة ، باعتبارها تنتظم مصالح هذا العالم السفلي . إذ لو لم يكن لها آثار وفوائد في هذا العالم ، لكان خلقها عبثاً وباطلاً وغير مفيد ، وهذه النصوص تنافي ذلك . والله أعلم . ثم بين تعالى أنه يفصل الآيات ، ومعنى التفصيل هو ذكر هذه الدلائل الباهرة ، واحداً عقيب الآخر ، فصلاً فصلاً مع الشرع والبيان . وفي قوله : * ( نفصل ) * قراءتان : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم * ( يفصل ) * بالياء ، وقرأ الباقون بالنون .