تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
المسألة الثانية : اللقاء هو الوصول إلى الشيء ، وهذا في حق الله تعالى محال ، لكونه منزهاً عن الحد والنهاية ، فوجب أن يجعل مجازاً عن الرؤية ، وهذا مجاز ظاهر . فإنه يقال : لقيت فلاناً إذا رأيته ، وحمله على لقاء ثواب الله يقتضي زيادة في الإضمار وهو خلاف الدليل . واعلم أنه ثبت بالدلائل اليقينية أن سعادة النفس بعد الموت في أن تتجلى فيها معرفة الله تعالى ويكمل إشراقها ويقوي لمعانها ، وذلك هو الرؤية ، وهي من أعظم السعادات . فمن كان غافلاً عن طلبها معرضاً عنها مكتفياً بعد الموت بوجدان اللذات الحسية من الأكل والشرب والوقاع كان من الضالين . الصفة الثانية : من صفات هؤلاء الكفار قوله تعالى : * ( ورضوا بالحياة الدنيا ) * . واعلم أن الصفة الأولى إشارة إلى خلو قلبه عن طلب اللذات الروحانية ، وفراغه عن طلب السعادات الحاصلة بالمعارف الربانية ، وأما هذه الصفة الثانية فهي إشارة إلى استغراقه في طلب اللذات الجسمانية واكتفائه بها ، واستغراقه في طلبها . والصفة الثالثة : قوله تعالى : * ( واطمأنوا بها ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : صفة السعداء أن يحصل لهم عند ذكر الله نوع من الوجل والخوف كما قال تعالى : * ( الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) * ( الحج : 35 ) ثم إذا قويت هذه الحالة حصلت الطمأنينة في ذكر الله تعالى كما قال تعالى : * ( وتطمئن قلوبهم بذكر الله إلا بذكر الله تطمئن القلوب ) * ( الرعد : 28 ) وصفة الأشقياء أن تحصل لهم الطمأنينة في حب الدنيا ، وفي الاشتغال بطلب لذاتها كما قال في هذه الآية : * ( واطمأنوا بها ) * فحقيقة الطمأنينة أن يزول عن قلوبهم الوجل ، فإذا سمعوا الإنذار والتخويف لم توجل قلوبهم وصارت كالميتة عند ذكر الله تعالى . المسألة الثانية : مقتضى اللغة أن يقال : واطمأنوا إليها ، إلا أن حروف الجر يحسن إقامة بعضها مقام البعض ، فلهذا السبب قال : * ( واطمأنوا بها ) * . والصفة الرابعة : قوله تعالى : * ( والذين هم عن آياتنا غافلون ) * والمراد أنهم صاروا في الإعراض عن طلب لقاء الله تعالى . بمنزلة الغافل عن الشيء الذي لا يخطر بباله طول عمره ذكر ذلك الشيء ، وبالجملة فهذه الصفات الأربعة دالة على شدة بعده عن طلب الاستسعاد بالسعادات الأخروية الروحانية ، وعلى شدة استغراقه في طلب هذه الخيرات الجسمانية والسعادات الدنيوية . واعلم أنه تعالى لما وصفهم بهذه الصفات الأربعة قال : * ( أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون ) * وفيه مسألتان :