تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
الوجه الأول : أنه تعالى قال قبل هذه الآية : * ( وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم ) * ( هود : 41 ) فبين أنه تعالى رحيم وأنه برحمته يخلص هؤلاء الذين ركبوا السفينة من آفة الغرق . إذا عرفت هذا فنقول : إن ابن نوح عليه السلام لما قال : سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال نوح عليه السلام أخطأت * ( لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ) * والمعنى : إلا ذلك الذي ذكرت أنه برحمته يخلص هؤلاء من الغرق فصار تقدير الآية : لا عاصم اليوم من عذاب الله إلا الله الرحيم وتقديره : لا فرار من الله إلا إلى الله ، وهو نظير قوله عليه السلام في دعائه : " وأعوذ بك منك " وهذا تأويل في غاية الحسن . الوجه الثاني : في التأويل وهو الذي ذكره صاحب " حل العقد " أن هذا الاستثناء وقع من مضمر هو في حكم الملفوظ لظهور دلالة اللفظ عليه ، والتقدير : لا عاصم اليوم لأحد من أمر الله إلا من رحم وهو كقولك لا نضرب اليوم إلا زيداً ، فإن تقديره لا تضرب أحداً إلا زيداً إلا أنه ترك التصريح به لدلالة اللفظ عليه فكذا ههنا . الوجه الثالث : في التأويل أن قوله : * ( لا عاصم ) * أي لاذا عصمة كما قالوا : رامح ولابن ومعناه ذو رمح ، وذو لبن وقال تعالى : * ( من ماء دافق ) * ( الطارق : 6 ) و * ( عيشة راضية ) * ( الحاقة : 21 ) ومعناه ما ذكرنا فكذا ههنا ، وعلى هذا التقدير : العاصم هو ذو العصمة ، فيدخل فيه المعصوم ، وحينئذ يصح استثناء قوله : * ( إلا من رحم ) * منه . الوجه الرابع : قوله : * ( لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ) * عنى بقوله إلا من رحم نفسه ، لأن نوحاً وطائفته هم الذين خصهم الله تعالى برحمته ، والمراد : لا عاصم لك إلا الله بمعنى أن بسببه تحصل رحمة الله ، كما أضيف الإحياء إلى عيسى عليه السلام في قوله : * ( وأحيي الموتى ) * ( آل عمران : 49 ) لأجل أن الإحياء حصل بدعائه . الوجه الخامس : أن قوله : * ( إلا من رحم ) * استثناء منقطع ، والمعنى لكن من رحم الله معصوم ونظيره قوله تعالى : * ( ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ) * ( النساء : 157 ) ثم إنه تعالى بين بقوله : * ( وحال بينهم الموج ) * أي بسبب هذه الحيلولة خرج من أن يخاطبه نوح * ( فكان من المغرقين ) * . قوله تعالى * ( وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِى مَآءَكِ وَيا سَمَآءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ الْمَآءُ وَقُضِىَ الاَْمْرُ واسْتَوَتْ