تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
الصفة الثالثة عشرة : قوله : * ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) * والمعنى أنهم لما باعوا الدين بالدنيا فقد خسروا ، لأنهم أعطوا الشريف ، ورضوا بأخذ الخسيس ، وهذا عين الخسران في الدنيا ثم في الآخرة فهذا الخسيس يضيع ويهلك ولا يبقى منه أثر ، وهو المراد بقوله : * ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) * . الصفة الرابعة عشرة : قوله : * ( لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون ) * وتقريره ما تقدم ، وهو أنه لما أعطى الشريف الرفيع ورضي بالخسيس الوضيع فقد خسر في التجارة . ثم لما كان هذا الخسيس بحيث لا يبقى بل لا بد وأن يهلك ويفنى انقلبت تلك التجارة إلى النهاية في صفة الخسارة ، فلهذا قال : * ( لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون ) * وقوله * ( لا جرم ) * قال الفراء : إنها بمنزلة قولنا لا بد ولا محالة ، ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقاً ، تقول العرب : لا جرم أنك محسن ، على معنى حقاً إنك محسن ، وأما النحويون فلهم فيه وجوه : الأول : لا حرف نفي وجزم ، أي قطع ، فإذا قلنا : لا جرم معناه أنه لا قطع قاطع عنهم أنهم في الآخرة هم الأخسرون . الثاني : قال الزجاج إن كلمة * ( لا ) * نفي لما ظنوا أنه ينفعهم ، و * ( جرم ) * معناه كسب ذلك الفعل ، والمعنى : لا ينفعهم ذلك وكسب ذلك الفعل لهم الخسران في الدنيا والآخرة ، وذكرنا * ( جرم ) * بمعنى كسب في تفسير قوله تعالى : * ( لا يجرمنكم شنئان قوم ) * ( المائدة : 2 ) قال الأزهري ، وهذا من أحسن ما قيل في هذا الباب ، الثالث : قال سيبويه والأخفش : * ( لا ) * رد على أهل الكفر كما ذكرنا وجرم معناه حق وصحح ، والتأويل أنه حق كفرهم وقوع العذاب والخسران بهم . واحتج سيبويه بقول الشاعر : ولقد طعنت أبا عيينة طعنة * جرمت فزاة بعدها أن يغضبوا أراد حقت الطعنة فزارة أن يغضبوا . * ( إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) * . اعلم أنه تعالى لما ذكر عقوبة الكافرين وخسرانهم ، أتبعه بذكر أحوال المؤمنين ، والإخبات هو الخشوع والخضوع وهو مأخوذ من الخبت وهو الأرض المطمئنة وخبت ذكره أي خفي ،