في نبوته هو نفسه ، ثم مع هذا إن طلب هو من نفسه دليلاً على نبوة نفسه بعد ما سبق من الدلائل الباهرة والبينات القاهرة فإنه ليس فيه عيب . ولا يحصل بسببه نقصان ، فإذا لم يستقبح منه ذلك في حق نفسه فلأن لا يستقبح من غيره طلب الدلائل كان أولى ، فثبت أن المقصود بهذا الكلام استمالة القوم وإزالة الحياء عنهم في تكثير المناظرات .
الوجه الخامس : أن يكون التقدير أنك لست شاكاً البتة . ولو كنت شاكاً لكان لك طرق كثيرة في إزالة ذلك الشك كقوله تعالى : * ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) * ( الأنبياء : 22 ) والمعنى أنه لو فرض ذلك الممتنع واقعاً ، لزم منه المحال الفلاني فكذا ههنا . ولو فرضنا وقوع هذا الشك فارجع إلى التوراة والإنجيل لتعرف بهما أن هذا الشك زائل وهذه الشبهة باطلة .
الوجه السادس : قال الزجاج : إن الله خاطب الرسول في قوله : * ( فإن كنت في شك ) * وهو شامل للخلق وهو كقوله : * ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ) * ( الطلاق : 1 ) قال : وهذا أحسن الأقاويل ، قال القاضي : هذا بعيد لأنه متى كان الرسول داخلاً تحت هذا الخطاب فقد عاد السؤال ، سواء أريد معه غيره أو لم يرد وإن جاز أن يراد هو مع غيره ، فما الذي يمنع أن يراد بانفراده كما يقتضيه الظاهر ، ثم قال : ومثل هذا التأويل يدل على قلة التحصيل .
الوجه السابع : هو أن لفظ * ( إن ) * في قوله : * ( إن كنت في شك ) * للنفي أي ما كنت في شك قبل يعني لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك لكن لتزداد يقيناً كما ازداد إبراهيم عليه السلام بمعاينة إحياء الموتى يقيناً .
وأما الوجه الثاني : وهو أن يقال هذا الخطاب ليس مع الرسول فتقريره أن الناس في زمانه كانوا فرقاً ثلاثة ، المصدقون به والمكذبون له والمتوقفون في أمره الشاكون فيه ، فخاطبهم الله تعالى بهذا الخطاب فقال : إن كنت أيها الإنسان في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمد فاسأل أهل الكتاب ليدلوك على صحة نبوته ، وإنما وحد الله تعالى ذلك وهو يريد الجمع ، كما في قوله : * ( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذي خلقك ) * ( الانفطار : 6 ، 7 ) و * ( يا أيها الإنسان إنك كادح ) * ( الانشقاق : 6 ) وقوله : * ( فإذا مس الإنسان ضر ) * ( الزمر : 49 ) ولم يرد في جميع هذه الآيات إنساناً بعينه ، بل المراد هو الجماعة فكذا ههنا ولما ذكر الله تعالى لهم ما يزيل ذلك الشك عنهم حذرهم من أن يلحقوا بالقسم الثاني وهم المكذبون فقال : * ( ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين ) * .
المسألة الثالثة : اختلفوا في أن المسؤول منه في قوله : * ( فاسأل الذين يقرؤن الكتاب ) * من هم ؟ فقال المحققون هم الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام ، وعبد الله بن صوريا ، وتميم
تفسير الرازي — صفحة 162
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٦٢