تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
اعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن قولهم متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : حاصل الجواب أن يقال لأولئك الكفار الذين يطلبون نزول العذاب بتقدير أن يحصل هذا المطلوب وينزل هذا العذاب ما الفائدة لكم فيه ؟ فإن قلتم نؤمن عنده ، فذلك باطل ، لأن الإيمان في ذلك الوقت إيمان حاصل في وقت الإلجاء والقسر ، وذلك لا يفيد نفعاً البتة ، فثبت أن هذا الذي تطلبونه لو حصل لم يحصل منه إلا العذاب في الدنيا ، ثم يحصل عقيبه يوم القيامة عذاب آخر أشد منه ، وهو أنه يقال : للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد ، ثم يقرن بذلك العذاب كلام يدل على الإهانة والتحقير وهو أنه تعالى يقول : * ( هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون ) * فحاصل هذا الجواب : أن هذا الذي تطلبونه هو محض الضرر العاري عن جهات النفع والعاقل لا يفعل ذلك . المسألة الثانية : قوله : * ( بياتاً ) * أي ليلاً يقال بت ليلتي أفعل كذا ، والسبب فيه أن الإنسان في الليل يكون ظاهراً في البيت ، فجعل هذا اللفظ كناية عن الليل والبيات مصدر مثل التبييت كالوداع والسراح ، ويقال في النهار ظللت أفعل كذا ، لأن الإنسان في النهار يكون ظاهراً في الظل . وانتصب بياتاً على الظرف أي وقت بيات وكلمة * ( ماذا ) * فيها وجهان : أحدهما : أن يكون ماذا اسماً واحداً ويكون منصوب المحل كما لو قال ماذا أراد الله ، ويجوز أن يكون ذا بمعنى الذي ، فيكون ماذا كلمتين ومحل ما الرفع على الابتداء وخبره ذا وهو بمعنى الذي ، فيكون معناه ما الذي يستعجل منه المجرمون ومعناه ، أي شيء الذي يستعجل من العذاب المجرمون . واعلم أن قوله : * ( إن أتاكم عذابه بياتاً أو نهاراً ) * شرط . وجوابه : قوله ماذا يستعجل منه المجرمون ، وهو كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني ، يعني : إن حصل هذا المطلوب ، فأي مقصود تستعجلونه منه . وأما قوله : * ( أثم إذا ما وقع آمنتم به ) * فاعلم أن دخول حرف الاستفهام على ثم كدخوله على الواو والفاء في قوله : * ( أو أمن أهل القرى ) * ( الأعراف : 98 ) * ( أفأمن ) * ( الأعراف : 97 ) وهو يفيد التقريع والتوبيخ ، ثم أخبر تعالى أن ذلك الإيمان غير واقع لهم بل يعيرون ويوبخون ، يقال : آلآن تؤمنون وترجون الانتفاع بالإيمان مع أنكم كنتم قبل ذلك به تستعجلون على سبيل السخرية والاستهزاء ، وقرئ * ( آلان ) * بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام . وأما قوله : * ( ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد ) * فهو عطف على الفعل المضمر قبل * ( آلآن ) * والتقدير : قيل : آلان وقد كنتم به تستعجلون ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد .