اعلم أنه تعالى لما بين حال محمد صلى الله عليه وسلم مع قومه ، بين أن حال كل الأنبياء مع أقوامهم كذلك ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : هذه الآية تدل على أن كل جماعة ممن تقدم قد بعث الله إليهم رسولاً والله تعالى ما أهمل أمة من الأمم قط ، ويتأكد هذا بقوله تعالى : * ( وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ) * ( فاطر : 24 ) .
فإن قيل : كيف يصح هذا مع ما يعلمه من أحوال الفترة ومع قوله سبحانه : * ( لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم ) * ( يس : 6 ) .
قلنا : الدليل الذي ذكرناه لا يوجب أن يكون الرسول حاضراً مع القوم ، لأن تقدم الرسول لا يمنع من كونه رسولاً إليهم ، كما لا يمنع تقدم رسولنا من كونه مبعوثاً إلينا إلى آخر الأبد . وتحمل الفترة على ضعف دعوة الأنبياء ووقوع موجبات التخليط فيها .
المسألة الثانية : في الكلام إضمار والتقدير : فإذا جاء رسولهم وبلغ فكذبه قوم وصدقه آخرون قضى بينهم أي حكم وفصل .
المسألة الثالثة : المراد من الآية أحد أمرين : إما بيان أن الرسول إذا بعث إلى كل أمة فإنه بالتبليغ وإقامة الحجة يزيح كل علة فلا يبقى لهم عذر في مخالفته أو تكذيبه ، فيدل ذلك على أن ما يجري عليهم من العذاب في الآخرة يكون عدلاً ولا يكون ظلماً ، لأنهم من قبل أنفسهم وقعوا في ذلك العقاب ، أو يكون المراد أن القوم إذا اجتمعوا في الآخرة جمع الله بينهم وبين رسولهم في وقت المحاسبة ، وبأن الفصل بين المطيع والعاصي ليشهد عليهم بما شاهد منهم ، وليقع منهم الاعتراف بأنه بلغ رسالات ربه فيكون ذلك من جملة ما يؤكد الله به الزجر في الدنيا كالمساءلة ، وإنطاق الجوارح ، والشهادة عليهم بأعمالهم والموازين وغيرها ، وتمام التقرير على هذا الوجه الثاني أنه تعالى ذكر في الآية الأولى أن الله شهيد عليهم ، فكأنه تعالى يقول : أنا شهيد عليهم وعلى أعمالهم يوم القيامة ، ومع ذلك فإني أحضر في موقف القيامة مع كل قوم رسولهم ، حتى يشهد عليهم بتلك الأعمال . والمراد منه المبالغة في إظهار العدل .
واعلم أن دليل القول الأول هو قوله تعالى : * ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ) * ( الإسراء : 15 ) وقوله : * ( رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) * ( النساء : 165 ) وقوله : * ( ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً ) * ( طه : 134 ) ودليل القول الثاني قوله تعالى : * ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ) * إلى قوله : * ( ويكون الرسول عليكم شهيداً ) * ( البقرة : 143 ) وقوله : * ( وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً ) * ( الفرقان : 30 ) وقوله تعالى : * ( قضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ) * فالتكرير لأجل التأكيد والمبالغة في نفي الظلم .
تفسير الرازي — صفحة 106
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٠٦