تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
وترك الالتفات إلى سؤالهم ، واختلفوا في الضمير في قوله : * ( أحق هو ) * قيل : أحق ما جئتنا به من القرآن والنبوة والشرائع . وقيل : ما تعدنا من البعث والقيامة . وقيل : ما تعدنا من نزول العذاب علينا في الدنيا . ثم إنه تعالى أمره أن يجيبهم بقوله : * ( قل إي وربي إنه لحق ) * والفائدة فيه أمور : أحدها : أن يستميلهم ويتكلم معهم بالكلام المعتاد ومن الظاهر أن من أخبر عن شيء ، وأكده بالقسم فقد أخرجه عن الهزل وأدخله في باب الجد . وثانيها : أن الناس طبقات فمنهم من لا يقر بالشيء إلا بالبرهان الحقيقي ، ومنهم من لا ينتفع بالبرهان الحقيقي ، بل ينتفع بالأشياء الإقناعية ، نحو القسم فإن الأعرابي الذي جاء الرسول عليه السلام ، وسأل عن نبوته ورسالته اكتفى في تحقيق تلك الدعوى بالقسم ، فكذا ههنا . ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله : * ( وما أنتم بمعجزين ) * ولا بد فيه من تقدير محذوف ، فيكون المراد وما أنتم بمعجزين لمن وعدكم بالعذاب أن ينزله عليكم والغرض منه التنبيه على أن أحداً لا يجوز أن يمانع ربه ويدافعه عما أراد وقضى ، ثم إنه تعالى بين أن هذا الجنس من الكلمات ، إنما يجوز عليهم ما داموا في الدنيا فأما إذا حضروا محفل القيامة وعاينوا قهر الله تعالى ، وآثار عظمته تركوا ذلك واشتغلوا بأشياء أخرى ، ثم إنه تعالى حكى عنهم ثلاثة أشياء : أولها : قوله : * ( ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به ) * إلا أن ذلك متعذر لأنه في محفل القيامة لا يملك شيئاً كما قال تعالى : * ( وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً ) * ( مريم : 95 ) وبتقدير : أن يملك خزائن الأرض لا ينفعه الفداء لقوله تعالى : * ( ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون ) * ( البقرة : 48 ) وقال في صفة هذا اليوم * ( لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ) * ( البقرة : 254 ) وثانيها : قوله : * ( وأسروا الندامة لما رأوا العذاب ) * . واعلم أن قوله : * ( وأسروا الندامة ) * جاء على لفظ الماضي ، والقيامة من الأمور المستقبلة إلا أنها لما كانت واجبة الوقوع ، جعل الله مستقبلها كالماضي ، واعلم أن الإسرار هو الإخفاء والإظهار وهو من الأضداد ، أما ورود هذه اللفظة بمعنى الإخفاء فظاهر وأما ورودها بمعنى الإظهار فهو من قولهم سر الشيء وأسره إذا أظهره . إذا عرفت هذا فنقول : من الناس من قال : المراد منه إخفاء تلك الندامة ، والسبب في هذا الإخفاء وجوه : الأول : أنهم لما رأوا العذاب الشديد صاروا مبهوتين متحيرين ، فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخاً سوى إسرار الندم كالحال فيمن يذهب به ليصلب فإنه يبقى مبهوتاً متخيراً لا ينطق بكلمة . الثاني : أنهم أسروا الندامة من سفلتهم وأتباعهم حياء منهم وخوفاً من توبيخهم .
تفسير الرازي — صفحة 111 | فخر الدين الرازي