المسألة الرابعة : قيل : كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار وقيل في قبورهم ، والقرآن وارد بهذين الوجهين قال تعالى : * ( كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم ) * ( المؤمنون : 112 ، 113 ) قال القاضي : والوجه الأول أولى لوجهين : أحدهما : أن حال المؤمنين كحال الكافرين في أنهم لا يعرفون مقدار لبثهم بعد الموت إلى وقت الحشر ، فيجب أن يحمل ذلك على أمر يختص بالكفار ، وهو أنهم لما لم ينتفعوا بعمرهم استقلوه ، والمؤمن لما انتفع بعمره فإنه لا يستقله . الثاني : أنه قال : * ( يتعارفون بينهم ) * لأن التعارف إنما يضاف إلى حال الحياة لا إلى حال الممات .
المسألة الخامسة : ذكروا في سبب هذا الاستقلال وجوهاً : الأول : قال أبو مسلم : لما ضيعوا أعمارهم في طلب الدنيا والحرص على لذاتها لم ينتفعوا بعمرهم البتة ، فكان وجود ذلك العمر كالعدم ، فلهذا السبب استقلوه ونظيره قوله تعالى : * ( وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر ) * ( البقرة : 96 ) الثاني : قال الأصم : قل ذلك عندهم لما شاهدوا من أهوال الآخرة ، والإنسان إذا عظم خوفه نسي الأمور الظاهرة . الثالث : أنه قل عندهم مقامهم في الدنيا في جنب مقامهم في الآخرة وفي العذاب المؤبد . الرابع : أنه قل عندهم مقامهم في الدنيا لطول وقوفهم في الحشر . الخامس : المراد أنهم عند خروجهم من القبور يتعارفون كما كانوا يتعارفون في الدنيا ، وكأنهم لم يتعارفوا بسبب الموت إلا مدة قليلة لا تؤثر في ذلك التعارف . وأقول : تحقيق الكلام في هذا الباب ، أن عذاب الكافر مضرة خالصة دائمة مقرونة بالإهانة والإذلال ، والإحساس بالمضرة أقوى من الإحساس باللذة بدليل أن أقوى اللذات هي لذات الوقاع ، والشعور بأم القولنج وغيره والعياذ بالله تعالى أقوى من الشعور بلذة الوقاع . وأيضاً لذات الدنيا مع خساستها ما كانت خالصة ، بل كانت مخلوطة بالهمومات الكثيرة ، وكانت تلك اللذات مغلوبة بالمؤلمات والآفات ، وأيضاً إن لذات الدنيا ما حصلت إلا بعض أوقات الحياة الدنيوية ، وآلام الآخرة أبدية سرمدية لا تنقطع البتة ونسبة عمر جميع الدنيا إلى الآخرة الأبدية أقل من الجزء الذي لا يتجزأ بالنسبة إلى ألف ألف عالم مثل العالم الموجود .
إذا عرفت هذا فنقول : أنه متى قوبلت الخيرات الحاصلة بسبب الحياة العاجلة بالآفات الحاصلة للكافر وجدت أقل من اللذة بالنسبة إلى جميع العالم فقوله : * ( كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار ) * إشارة إلى ما ذكرناه من قلتها وحقارتها في جنب ما حصل من العذاب الشديد .
أما قوله : * ( يتعارفون بينهم ) * ففيه وجوه : الأول : يعرف بعضهم بعضاً كما كانوا يعرفون في الدنيا . الثاني : يعرف بعضهم بعضاً بما كانوا عليه من الخطأ والكفر ، ثم تنقطع المعرفة إذا
تفسير الرازي — صفحة 104
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٠٤