تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
واللمز الدفع . يقال : همزته ولمزته إذا دفعته ، وفرق أبو بكر الأصم بينهما ، فقال : اللمز أن يشير إلى صاحبه بعيب جليسه ، والهمز أن يكسر عينه على جليسه إلى صاحبه . إذا عرفت هذا فنقول : قال ابن عباس : يلمزك يغتابك . وقال قتادة : يطعن عليك . وقال الكلبي : يعيبك في أمر ما ، ولا تفاوت بين هذه الروايات إلا في الألفاظ . قال أبو علي الفارسي : ههنا محذوف والتقدير : يعيبك في تفريق الصدقات . قال مولانا العلامة الداعي إلى الله : لفظ القرآن وهو قوله : * ( ومنهم من يلمزك في الصدقات ) * لا يدل على أن ذلك اللمز كان لهذا السبب ، إلا أن الروايات التي ذكرناها دلت أن سبب اللمز هو ذلك ، ولولا هذه الروايات لكان يحتمل وجوهاً أخر سواها . فأحدها : أن يقولوا أخذ الزكوات مطلقاً غير جائز ، لأن انتزاع كسب الإنسان من يده غير جائز . أقصى ما في الباب أن يقال : يأخذها ليصرفها إلى الفقراء إلا أن الجهال منهم كانوا يقولون إن الله تعالى أغنى الأغنياء ، فوجب أن يكون هو المتكفل بمصالح عبيده الفقراء : فأما أن يأمرنا بذلك فهو غير معقول . فهذا هو الذي حكاه الله تعالى عن بعض اليهود ، وهو أنهم قالوا : * ( إن الله فقير ونحن أغنياء ) * وثانيها : أن يقولوا هب أنك تأخذ الزكوات إلا أن الذي تأخذه كثير ، فوجب أن تقنع بأقل من ذلك . وثالثها : أن يقولوا هب أنك تأخذ هذا الكثير إلا أنك تصرفه إلى غير مصرفه . وهذا هو الذي دلت الأخبار على أن القوم أرادوه . قال أهل المعاني : هذه الآية تدل على ركاكة أخلاق أولئك المنافقين ودناءة طباعهم ، وذلك لأنه لشدة شرههم إلى أخذ الصدقات عابوا الرسول فنسبوه إلى الجور في القسمة ، مع أنه كان أبعد خلق الله تعالى عن الميل إلى الدنيا . قال الضحاك : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بينهم ما آتاه الله من قليل المال وكثيره ، وكان المؤمنون يرضون بما أعطوا ويحمدون الله عليه . وأما المنافقون : فإن أعطوا كثيراً فرحوا وإن أعطوا قليلاً سخطوا ، وذلك يدل على أن رضاهم وسخطهم لطلب النصيب لا لأجل الدين . وقيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفر الغنائم عليهم ، فسخط المنافقون . وقوله : * ( إذا هم يسخطون ) * كلمة * ( إذا ) * للمفاجأة ، أي وإن لم يعطوا منها فاجؤا السخط . ثم قال : * ( ولو أنهم رضوا ) * الآية والمعنى : ولو أنهم رضوا بما أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنيمة وطابت نفوسهم وإن قل ، وقالوا : كفانا ذلك وسيرزقنا الله غنيمة أخرى ، فيعطينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما أعطانا اليوم ، إنا إلى طاعة الله وإفضاله وإحسانه لراغبون . واعلم أن جواب " لو " محذوف ، والتقدير : لكان خيراً لهم وأعود عليهم ، وذلك لأنه غلب